وليد وأليس: هكذا عرفنا زياد (12)

بعد وفاة حبيبنا زياد، قرّر وليد دكروب وأليس بيطار رثاءه على طريقتهما الخاصّة. في الحلقة السابقة، استقبلا المخرجَ المسرحيَّ والأكاديميَّ كريم دكروب، ليتعمّقا معه في أعمال زياد المسرحيّة. وفي هذه الحلقة، يكملان الحديث معه حول ثلاثيّة «الشعب العنيد». 

حواريّة طويلة تُقدَّم إليكم على شكل سلسلة، تستعرض سيرةَ الفنان زياد الرحباني بأسلوبٍ غير تقليدي، وتستكشف تأثيرَه على فردَيْن من جيلَيْن مختلفَيْن. 

الحلقة الثانية عشرة 

كتابة أليس بيطار ووليد دكروب 

أليس: 

ماذا عن استخدام الأوركسترا الحيّة في «بخصوص الكرامة...»؟ 

وليد: 

بالحقيقة، أثار موضوع استخدام الأوركسترا الحية في «بخصوص الكرامة…» نقاشاً واسعاً، انخرط به أعضاء الأوركسترا أنفسهم. السبب كان في طبيعة دورها في العمل. لم يكن هذا الدور تقليديّاً، كمثله في الأعمال الغنائية أو الاستعراضية المتعارف عليها. فهذه المسرحية لم تكن من هذا النوع. 

لعلّ اختيار زياد لمسرح «البيكاديللي» بالذات، كان بسبب الإمكانيات التقنية التي يتمتّع بها هذا المسرح، وبالتحديد إمكانية استخدام الأوركسترا الحيّة. هو مجهّز بما يسمّى حفرة الأوركسترا، التي كان يستخدمها الأخوين رحباني في أعمالهما التي عُرضت عليه. 

أليس: 

طيب، إذاً ما كان دور الأوركسترا في «بخصوص الكرامة…»؟ 

وليد: 

لنتكلّم بدايةً عن دور الموسيقى في هذا العمل المسرحي. كان دورها، باعتقادي، أشبه بدور الموسيقى التصويرية في الأفلام، يطغى عليها طابع المؤثّرات الصوتية، مع ملامح من إيفيهات أفلام الكرتون التلقائية والسريعة، أو موتيف مرافِق لظهور واختفاء شخصية معيّنة. يغلب عليها أيضاً طابع الهايلايت الصوتي، أو التسطير الموسيقي تحت كلمة معيّنة، أو عبارة ما، أو إبراز جملة ما، من العبارات والجمل التي كانت تتداولها شخصيات المسرحية، والمنتشرة في القاموس اللبناني المعاصر بكثرة، وهي، برأي زياد، أحد أبرز علل المجتمع اللبناني. 

من تلك العبارات أذكر: «المطلوب... إنت عارف حالك مع مين عم تحكي؟ خليها بيناتنا، الزلمة صاحبنا… أخلاقيّاً لا يجوز، متل ما الله بيريد، ما بقى فينا نتحمّل...» وغيرها. كانت تلك التلوينات الموسيقية بمرافقة الكورال، تتطلّب تفاعلاً فوريّاً، يستحيل على تقني الصوت مجاراته خلال العرض. 

هذا ما جعل وجود الأوركسترا الحيّة ضروريّاً. 

كريم: 

حسب علمي، لم أعد أذكر من الذي أخبرني - أحد الموسيقيين المشاركين في الأوركسترا - بأنّ هنالك أحاديث ونمائم كانت تدور بين أعضاء الأوركسترا، تعبّر عن الامتعاض من جعلهم «أضحوكة» أمام الجمهور وبمواجهته. وكأنّ بزياد يريد أن يتهكّم على دور الأوركسترا، وعلى وجود العازفين في عرض مسرحي. هذا ما كان يدور في كواليس الأوركسترا. 

ما عزّز هذا الشعور السائد، أنّ المسرحية ليست غنائية، كما تفضّلت، ليكون هنالك أوركسترا. وحتى لم يكن هنالك تأليفاً موسيقياً بمعنى الكلمة، سوى مقدّمتين موسيقيتين، الأولى لزياد، والثانية للمؤلف بشارة الخوري (ابن عمّة زياد وحفيد الأخطل الصغير)، الذي قاد الأوركسترا. 

وليد: 

كان للفواصل الموسيقية بين المشاهد نفس دور أصوات الطائرات المدنية في «فيلم أميركي طويل»، وهو نقل انتباه المشاهد من مشهدٍ إلى آخر، على طريقة المونتاج في السينما. 

أليس: 

ماذا عن مضمون المسرحية، وما ارتباطه بمسرحيات زياد السابقة؟ 

من مسرحية «بخصوص الكرامة والشعب العنيد»-1993

وليد: 

مضمون المسرحية هو امتداد لخطاب زياد النقدي السياسي-الاجتماعي اللاذع، الذي بدأه مع «فيلم أميركي طويل»، بشخصية رشيد الذي أوقف السير في شارع الحمرا، واستمرّ مع «أبو الزلف» في «شي فاشل»، مروراً بشريط «أنا مش كافر» عبر أغنيتي «شايفه عالنظام» و«يساعد ويعين»، وحتى مع برنامج «العقل زينة»، وبالذات في حلقة بعنوان  Lebanese People، وغيرها من الحلقات... تُوّج هذا الخطاب بشخصيتي «الضابط» (زياد الرحباني) والغادر/ماجد أبو عبسي (زياد أبو عبسي) في ثلاثية «الشعب العنيد». 

كريم: 

الملفت في «بخصوص الكرامة...» أن أحداث الفصل الأخير تجري في عام 2005 (هو استشراف للمستقبل، أي لما يمكن أن يحدث بعد أكثر من عشر سنوات من عرض المسرحية عام 1993)، وهو العام الذي بدأت فيه الفوضى في لبنان بعد اغتيال رفيق الحريري. 

أمّا في المسرحية فكان عام النهاية، وهجوم القبائل البدائية وسيطرتهم على المسرح، وانقضاضهم على الأوركسترا بعد أن انشقّت الأرض لتبتلع الضابط. هنا لا بدّ من ملاحظة الرابط بين ابتلاع الأرض للضابط وانقضاض «الرعاع» على الأوركسترا! بمعنى أن ضابطاً للأوركسترا كان موجوداً ولو بشكلٍ رمزي، وكان ينازع للبقاء ولضبط ما تبقّى من حياة عامة وقيَمٍ وعلاقات اجتماعية. 

من هنا نفهم المعنى الرمزي لوجود الأوركسترا التي كان دورها محدوداً نسبةً لعدد أعضائها وللجهود الموسيقية والإنتاجية التي بذلت من أجلها. كأنّ الأوركسترا تنازع لتقديم مضمونٍ موسيقيٍّ ما، والضابط ينازع لضبط ما تبقّى من معنىً للحياة، لكنّ الاثنين ينهزمان في النهاية، وتنتصر الفوضى… تماماً مثل أغنية «شايفه عالنظام» التي تنتهي بأصوات احتفالٍ لقبائل بدائية. 

دور الأوركسترا دراميّ بامتياز، ليس موسيقياً بالمعنى المعروف في المسرح الموسيقي. إنها تدخل في صلب دراماتورجيا العرض، وأعتقد أن الموسيقيين الذين شعروا بتهكّم زياد على وجودهم، محقّون إلى حدٍّ ما. لقد كان أعضاء الأوركسترا ممثلون أكثر من كونهم موسيقيين. 

اليوم، بعد مرور عشرين عاماً على تلك السنة المشؤومة (2005)، وأكثر من ثلاثين عاماً على عرض المسرحية المذكورة، أستذكر الانتقادات التي تعرّض لها زياد على طروحاته «الغريبة» ونظرته التشاؤمية لمستقبل لبنان. 

كان زياد يمشي عكس السير، في الوقت الذي كان الخط العام للسير يمضي نحو إعادة إعمار وسط بيروت، بأي ثمنٍ كان، والانتعاش الاقتصادي، وتثبيت سعر صرف الدولار، حتى لو على حساب الدين العام الذي بدأ ينمو، والفقاعة المالية التي بدأت تكبر وتتضخّم، على حساب أجيال لم تكن قد ولدت بعد. 

لن أقول أنّ زياد «تنبّأ» بكل هذا. بل أقول إنّه رأى ما لم يرَه إلا قلّة قليلة من خبراء الاقتصاد. وكان عامة الناس يردّدون ما كان يردّده المرضى في نهاية «فيلم أميركي طويل»: «طبيعي، طبيعي... الزعما عم يستغلوا الشعب، والشعب معتّر... كل عمرنا عايشين إخوة، إسلام ومسيحيّي، من وين جابولنا هالطائفية؟... هيدي مؤامرة أميركانية...». 

من مسرحية «بخصوص الكرامة والشعب العنيد»-1993

وليد: 

عمليّاً، ومجازيّاً، في «ثلاثية الشعب العنيد»، نزل زياد بشخصية «الضابط» لإيقاف السير في شارع الحمرا، لكنّ أحداً لم يعِره اهتماماً. لا كضابط، ولا حتى كزياد الرحباني الفنان، الذي أراد أن ينبّهنا إلى ما سيؤول إليه مصيرنا كشعب وككيان، إن استمرّينا بنفس المسار الذي ارتضينا أن نسير به. 

الذي حصل فيما بعد، وحتى اليوم، فاق ما تخيّله زياد من مصير أسود ينتظرنا. 

أليس: 

أي كان السير متوقفاً خلال الحرب، ثم انطلق فجأةً بكبسة زرّ، ودبّت الحياة في البلاد، من إعادة إعمار، إلى انتعاش اقتصادي، واحتياطي الذهب ممتاز، وحفل فيروز في وسط بيروت… فنزل زياد على مسرح «البيكاديللي»، و«دقّ ناقوس الخطر» وقال، توقّفوا يا جماعة، ليس هكذا تسير الأمور، ما تقومون به سيؤدي بنا جميعاً إلى «شفير الهاوية»، إلى الانقراض. 

وليد: 

هذا ما جعل الصحافة والجمهور ينهالون باللوم على زياد، وعلى سوداويته وتشاؤمه الذين لا أساس لهما في خضم الأفراح الجماعية وحلقات الدبكة و«راجع يتعمّر لبنان». 

كريم: 

أذكر جيّداً في هذا السياق نهاية مسرحية «فيلم أميركي طويل»: مشهد الاجتماع مع أهل المرضى، والفرح بتماثلهم للشفاء، وتكرار المقولات التي حفّظَها الممرّضون للمرضى، ليردّدوها أمام أهاليهم، والطلب من «هاني» (سامي حواط) عزف «ليلة حبّ» على الكمان، وجو الاحتفال المتزامن مع إغلاق الستار في نهاية العرض؛ وفجأة، يصرخ «رشيد»: «آآآآآآآآه…» مرتين بصوت عالٍ، مقاطعاً الاحتفال، فيتوقّف الستار في منتصف الطريق، ليعود ويفتح على تهدئة روع «رشيد»، الذي يردّد: «طبيعي، طبيعي… كل شي طبيعي… إيه طبيعي، طبيعي.. منيح، طبيعي…». 

ثم يعود الستار ليغلَق على أصوات كمان «هاني» الممزوجة بموسيقى النهاية المستوحاة من موسيقى فيلم  The Magnificent Seven  (1960) الشهير، والمعروفة بلحن إعلان مارلبورو. هذا بالضبط ما أراد زياد قوله عندما انتهت الحرب الأهلية عام 1990. أراد أن يصرخ صرخة «رشيد» قبل إغلاق الستار على الحرب الأهلية… 

وليد: 

هذا ما لم يرُق لنا - نحن اللبنانيين - الذين تعبنا من الحرب، وأردنا أن ندخل في السلم بأيّ ثمنٍ كان. فشتمناه وأغلقنا الستار بالقوة، ونحن نردّد: «طبيعي، طبيعي… كل شي طبيعي… إيه طبيعي طبيعي.. منيح طبيعي...». 

أليس: 

يا لطيف! آخ منك وآخ علينا يا زياد! 

وليد: 

لنتشكّر العزيز كريم على مشاركته القيّمة معنا، ولنختم محور المسرح عند زياد الرحباني. 

أليس: 

لكن لن نختم حوارنا طبعاً. لا تنسَ، أنا من مواليد التسعين، أي أنني عاصرت أعمال زياد بدءاً من هذه المرحلة، ولدينا الكثير لنتكلّم عنه في حلقاتنا المقبلة.

يتبع...