لمن تقرع أجراسك يا جايسون مولينا؟

كتابة وليد ضو 

من «حظي المسكين» أيضاً، أن الموكب الوحيد الذي مشيت فيه هو موكب الموت، يرافقه قرع جرس خافت وبطيء، مع زمّور خطر يزيد من حرارة آب وما بات مطبقاً على الصدر، ما سميته غيابك الأخير، وأنت ممن الذين لم يخرجوا من بيوتهم إلا ليدخلوا إلى المقبرة. 

لا أدري، كيف وجدت أو اكتشفت جايسون مولينا، خلال عزلة الكورونا المديدة والممتدة، حيث سرعان ما وجدت نفسي مستمعاً إليه. استمعت إلى كل ألبوماته الموجودة على اليوتيوب، إضافة إلى حفلاته المسجلة، وهي كثيرة. ربما لأنني وجدت بصوته الحزين والمتألّم عزاء ورفيقاً في تلك الوحدة المفروضة والطوعية في آن معاً. 

وإذا كان هذا ما مثله مولينا بالنسبة لي، كان صوته وأغانيه، بحسب سمعكِ وتخيلاتكِ، أجراساً تُقرع وكهنة يصلون. كنتِ واثقة من ذلك، كنت تقفين بنشاط غير اعتيادي تفتحين الشباك وتنظرين إلى الكنيسة القريبة جدّاً، وتجلسين بعد برهة وتؤكدين لنا، صحة ما سمعتيه، أن الأجراس تقرع حقاً، وأن الكاهن يصلّي. 

فتاة بيلا تار، في فيلمه ساتانتانغو الطويل جدّاً، تعبر الطريق الموحل، حاملة هرا ميتا، تحت المطر والبرد، مسرعة نحو مصيرها المحتوم. يستمر المشهد لدقائق قليلة. مشهد بالأبيض والأسود، يثير كل هذا الأسى. لم يكن المخرج تار في قريتك حتى يصورك تمشين دقائق طوال، وأنت حاملة تنكة من المياه، أي، وبحسب ما يخبرنا به علم الحساب، أكثر من نصف وزنك، تعبرين طريقاً من وحل وصخور وشوك، وثلج ومشقة وشقاء وبكاء، تصعدين الطريق المؤلمة حاملة التنكة بيدين إلى أن تصلي إلى البيت، وترتاحي من الأثقال كلها، بانتظار التحضير لرحلة الغد، للقيام بالمهمة ذاتها، وذلك لعدة سنوات متتالية. 

في آبنا المنصرم، حتى سيارة دفن الموتى تجنبت طريقك، ليس لأنها غير قادرة على هذه المهمة، فهي رباعية الدفع، ولكن ظني يقول إنك أردت لخطواتك وطيفك العابر بين الشجر والحجارة أن يبقى مرسوماً هناك، لأن الأشجار والحجارة ستتألم لأنك صرت في تابوت من خشب، أنت التي وزعت قطرات من تنكة مياهك ومن مياه عيونك على الحجارة والأشجار، غسلت عنها الغبار والكآبة، من المؤكد أنّها كانت ستبكيك، وأنها افتقدتك، وتفتقدك كثيراً. 

كم تمنيت، في أواخر حياتك لو أطلت السهر كل ليلة، لكن الجلوس كان يتعبك، إذ كان جسمك يميل يمنة ويسرة. كنت أرافقك إلى سريرك، كنت تقبلين وجهي، تستمر قبلاتك حتى بعد أن أبتعد عنك، تقبلين الهواء والجدار، تنظرين إلى الجدران، كانت نظراتك تعطي معنى للبيت. كانت عيناك تخلق وطناً صغيراً على قياسك وقياس أحلامك وأشواقك، وذلك بعد أن خذلك الوطن الأكبر. 

منذ 10 سنوات، اخترت انحيازك المطلق، كانت أزمة النفايات هي التي حددت موقفك وشتائمك لكل الأسماء الحاكمة والمتحكمة. كان انحيازك واضحاً بعدما قرأت خالد خليفة ومصطفى خليفة والياس خوري، وكان سيكون واضحاً لو استمعت إلى أشعار محمد مختاري ورضا براهني وسعيد سلطانپور، أو حتى إلى عزف نگين خاكسار. 

منذ أيًام، حلت ذكرى زلزالي تركيا، حين سقط الآلاف من الموتى. عندما حصل الزلزال ناديتك، لحقت صوتي حتى نقف تحت العتبة، ظناً منا أنها آمنة، كان صوتي وطنك المفقود، تماماً كسيارتي ورقم هاتفي، الذي كان يرن في اللحظات الحاسمة من لقاءات المواعدة القليلة التي عقدتها. وطن خلقناه كوهم لنا، اندثر إلى غير رجعة، كل ما بقي منه هو البثور التي ستنبت في جسمي بعد هذا النصّ، وكل النصوص السابقة، إذ حتى البثور تفتقدك. فيلمنا انتهى، طويل كان، أطول من أفلام بيلا تار، كل ما بقي أصوات أجراس وصوت حزين يغني للبيت والشجر. 

«أي شيء في العيد…؟»