وليد وأليس: هكذا عرفنا زياد (13)

بعد وفاة حبيبنا زياد، قرّر وليد دكروب وأليس بيطار رثاءه على طريقتهما الخاصّة. في الحلقة السابقة، استقبلا المخرج المسرحيّ والأكاديميّ كريم دكروب، ليتعمّقا معه في أعمال زياد المسرحيّة. وفي هذه الحلقة، يستقبلان الكاتب والمخرج والممثل فؤاد يمّين، ليخبرنا كيف تعرّف إلى أعمال زياد الرحباني. 

حواريّة طويلة تُقدَّم إليكم على شكل سلسلة، تستعرض سيرة الفنان زياد الرحباني بأسلوبٍ غير تقليدي، وتستكشف تأثيره على فردين من جيلين مختلفين. 

الحلقة الثالثة عشر 

كتابة أليس بيطار ووليد دكروب 

فؤاد يمين: 

مرحبا يا جماعة. حواركما ممتع فعلاً. 

أنا أيضاً أودّ أن أروي كيف عرفت زياد. 

وليد: 

أهلاً بك يا فؤاد ضيفاً عزيزاً على حوارنا! 

أليس: 

مفاجأة جميلة. 

بالطبع، أخبرنا قصتك. 

فؤاد: 

لطالما طرحت على نفسي هذا السؤال: من هو زياد بالنسبة إليّ؟ 

بالحقيقة، أستطيع الجزم بأنّ زياد الرحباني هو من عرّفني على الموسيقى الشرقية الأصيلة، وهو من ألهمني على الكتابة. في طفولتي، لم أكن «أهضُم» الموسيقى الشرقية، لأنّها كانت ترتبط في ذهني بأغاني البوب العربية واللبنانية التي كانت سائدة في أواخر الثمانينات والتسعينات. لا حاجة لذكر الأسماء؛ أنتما تعرفان تماماً ماذا ومن أقصد بتلك الأغاني التي كانت تصدح في السيارات وباصات المدرسة والحفلات والأعراس، أو تتكرر في فيديو كليبات على شاشات التلفزة. لذلك كنت ميّالاً أكثر إلى موسيقى البوب والروك الغربية، فأحببت البيتلز وإلفيس بريسلي وغيرهم. 

وإذ... ظهر أمامي شريط بعنوان «بما إنّو» (1995)، كنت يومها في العاشرة من عمري. 

وليد: 

العاشرة، إنه العمر السحري الذي يتعرّف فيه الناس على زياد. 

أليس: 

صدفة طريفة! 

غلاف شريط «بما إنو»-1995

فؤاد: 

أذكر جيداً لحن الدخول: البيانو، البزق، وخاصةً فلوت بسّام سابا… نغمة أسرتني بالكامل. ثم توالت الألحان: «هيك بتعمل هيك»، ثم ذلك اللحن الفرِح الراقص الذي يسبق أبيات العتابا بصوت جوزيف صقر. باختصار، ذُهِلت بما سمعت. أصبح هذا الشريط بالنسبة إليّ هو «الموسيقى الشرقية». 

«مربى الدلال»، «بما إنّو»، «تلفن عيّاش»، وصولاً إلى الأغنية التي حفرت أعمق أثر في وجداني: «أفلاطون». هذه الأغنية صدمتني. لم أفهم ما أسمع، وصرت أعيد وأعيد وأعيد… 

بسبب هذا الشريط بالذات، تغيّرت ثلاثة أمور أساسية في حياتي: 

أولاً: قررت أن أعود بالزمن إلى الوراء، لأكتشف ما فاتني من أعمال زياد، ومن الموسيقى الشرقية تحديداً. الأمر لم يكن سهلاً في تلك الفترة؛ لا إنترنت ولا أرشيف متاح. 

سألت والدي إن كان يعرف زياد الرحباني، فقال: «أكيد». طلبت منه أن يشتري لي كاسيتات لزياد. بهذه البساطة، فتح لي زياد باباً إلى علاقة جديدة مع الموسيقى الشرقية. من خلال كاسيت واحد تعرّفت على عالم واسع وغنيّ، شعرت أنني أنتمي إليه وينتمي إليّ. 

ثانياً: اكتشفت عبر زياد وأغانيه ومسرحياته وحلقاته الإذاعية، أنّني أعيش في بيئة منغلقة إلى حدّ ما. وأنّ هناك «آخرين» في هذا البلد، ينتمون إلى طوائف وأديان مختلفة، لكنهم يشبهوننا في إنسانيتهم وهمومهم وتفاصيل حياتهم. صحيح أن هذا الوعي ترسّخ لاحقاً خلال دراستي للمسرح في معهد الفنون، لكن زياد كان أوّل من فتح عينيّ على «الآخر». قبل ذلك، كان مجرد التفكير بالآخر يثير قلقي، ويعيد إليّ ذكريات أليمة لم أعشها مباشرةً، بل ورثتها عن أهلي ومحيطي. 

ثالثاً: أول مسرحية سمعتها لزياد كانت «بالنسبة لبكرا شو؟». هذه المسرحية فتحت أمامي عالماً جديداً: عالم الكتابة. مباشرة بعد الاستماع إليها، بدأت أكتب مسرحية بعنوان «قرناحا». كان عمري لا يتجاوز الثانية عشرة. يدور موضوعها حول قرية تحمل هذا الاسم، تُعاد فيها انتخابات المختار كل دورة من دون تغيير، إلى أن يقرّر أهل القرية اختيار مرشّح جديد، شاب طيّب وبسيط عاد حديثاً من الاغتراب. يفوز فعلاً… ليصبح أسوأ من سلفه. 

ما أريد قوله هو أنّ أول مسرحية كتبتها كانت بفضل زياد الرحباني. واليوم، أمارس الكتابة المسرحية والدرامية كمهنة أعتاش منها. إلى هذه الدرجة كان تأثير زياد هائلاً في مسار حياتي. أليس: ما أجمل قصتك يا فؤاد! شكراً لك على المشاركة اللطيفة والقيّمة. 

وليد: 

لكلّ منا قصته عن أو مع زياد. 

لكثرتها، أشعر بأنّ هذا الحوار لن ينتهي. ما رأيك يا أليس؟ 

أليس: 

ولا أريد له أن ينتهي. 

وليد: 

لكن «دايماً بالآخر في آخر، في وقت فراق...» 

أليس: 

يا عين! «أغنية الوداع». افتتاحية ألبوم «كيفك إنت»! إنها بداية التسعينات. 

«كيفك إنت»-1991

وليد: 

صح. بدأت التسعينات. نحن تحدّثنا عن مسرح زياد في التسعينات، لكن لنعود الآن إلى نشاطه الموسيقي في تلك الفترة، من باب «كيفك إنت» (1991). 

الألبوم الذي شكّل نقطة مفصلية في تاريخ فيروز الغنائي. 

أليس: 

عندما صدر ألبوم «كيفك إنت» كان عمري لا يتجاوز السنة. لا أذكر كيف ومتى سمعته لأول مرة. هنا لا بدّ أن أذكر ما قلتَه أنت في حلقتنا الأولى عن علاقتك بمقدمة «ميس الريم»، ووصفِك لها بأنها مقدمة حياتك. هذا بالضبط ما يمكنني أن أقوله عن «كيفك إنت». أشعر أنّ إدراكي للحياة مرتبط بأغاني هذا الألبوم. 

يتشكل لديك شعور مع هذا الألبوم أنّه مختلف حتى عن مفهوم الألبوم. هو مليء بالمفاجآت. أليس غريباً، مثلاً، أن تكون «أغنية الوداع» هي الأغنية التي افتتح بها زياد وفيروز ألبومهما؟ 

وليد: 

بالفعل. 

لقد طرح صديق عزيز لي، من محبّي زياد الكبار، سؤالاً على «الفيسبوك» بعد أسابيع من رحيل الحبيب، مفاده: لماذا استهلّ زياد ألبوم «كيفك إنت» بأغنية وداع؟ 

أليس: 

وهل لديك إجابة عن هذا السؤال؟ 

وليد: 

بصراحة لا توجد إجابة محدّدة. لكن لديّ احتمالين: 

الأوّل، هو أنّ ترتيب المسارات الموسيقية عند زياد لم يكن ولا مرة اعتباطيّاً أو عبثيّاً. الألبوم عنده، هو مجموعة أغانٍ ومقطوعات موسيقية، تشكّل عملاً متكاملاً منظّماً بإيقاع ووتيرة معيّنين، بشكل يجعل المستمع مشدوداً للاستماع بلا ملل. تماماً مثل البناء الدرامي: هناك مدخل، تصاعد، عقدة وصراع، أخيراً الحلّ. 

يبدأ الألبوم عامةً بتراك تمهيدي عبارة عن أغنية أو مقطوعة موسيقية هادئة، وتُدرج في الوسط التنويعات، على غرار مقطع من «مش قصة هاي»، أو حتى البروڤا. ثم يصل إلى الذروة بأغنية الألبوم الرئيسية، «كيفك إنت» على سبيل المثال؛ وفي النهاية يقدّم لنا حبّة المسك، على شكل أغنية طربية شرقية إيقاعية، مثل «عودك رنّان» أو «سلملي عليه». كأنّه يتقصّد أن يختم الألبوم بمزاج مرتفع. هذه نظريتي. قد لا تكون صحيحة. 

أمّا الاحتمال الثاني، هو أنّ موضوع ترتيب الأغاني في ألبومات فيروز بالذات، غالباً ما يعود إلى شركة الإنتاج. 

أليس: 

وماذا عن أغنية الوداع؟ 

وليد: 

ما أعرفه هو أنّ فيروز اختتمت بهذه الأغنية حفلتها في القاهرة عام 1989 على مسرح «الصوت والضوء» على سفح الهرم، واضطرت بعدها العودة إلى المسرح مرتين بأغنيتي «زوروني» و«بحبك يا لبنان» (الحفل موجود في أرشيف تلفزيون لبنان، وهو متاح على منصة يوتيوب). 

أليس: 

طيب، هل تذكر اللحظة التي استمعت فيها إلى أغاني الكاسيت؟ 

وليد: 

بالطبع. كنت في السادسة عشر من عمري، وكنت قد أصبحت رسميّاً من عشاق زياد وفيروز. أذكر أنني نزلت إلى ديسكوتيك «روبي» في الحمرا وطلبت من «عمّو وليام»، صاحب المحلّ، أن يحجز لي نسختي من الشريط قبل أن ينفد. وبالفعل، اقتنيت نسختي في أول يوم من إصدار الألبوم، وما زلت محتفظاً بها حتى يومنا هذا. عدت يومها إلى البيت وبدأت أنهل من مفاجآت هذا الكاسيت. 

كانت المفاجأة الأكبر في أغنية مدّتها سبعة دقائق، تتضمّن كلمتين: يا ليلي ويا عيني. 

كنت قد سمعت مقطعاً قصيراً منها بصوت سامي حواط، في الحلقة 19 من «العقل زينة» على أثير إذاعة زياد «صوت الشعب»، وهو تسجيل من حفلة «بهالشكل» التي أقيمت في كلية بيروت الجامعية (التي أصبحت فيما بعد الجامعة اللبنانية الأميركية) في أواسط الثمانينات. لكنها لم تدخل ضمن الكاسيت الذي يحمل اسم الحفلة. 

أليس: 

يا الله على هذه الأغنية. كم تشبه فلسفة زياد وفكره الموسيقي الذي يعتبر الكلام، على أهميّته، حجّةً للغناء، بينما الموسيقى هي الأساس. هذا ما برهنه للمستمع في هذا العمل. وكم هو محظوظ الجمهور الذي استمع إلى هذه الأغنية في حفلة لايف! 

وليد: 

أي حفلة؟

يتبع...