وليد وأليس: هكذا عرفنا زياد (14)

بعد وفاة حبيبنا زياد، قرّر وليد دكروب وأليس بيطار رثاءه على طريقتهما الخاصّة. في الحلقة السابقة، استقبلا الكاتب والمخرج والممثل فؤاد يمّين، ليخبرنا كيف تعرّف إلى أعمال زياد الرحباني، وفي هذه الحلقة، يحدثّاننا عن الإيهام الفنّي وصوت فيروز كآلة موسيقيّة في مقطوعات زياد التي ما كانت لتكتمل من دونها. 

حواريّة طويلة تُقدَّم إليكم على شكل سلسلة، تستعرض سيرة الفنان زياد الرحباني بأسلوبٍ غير تقليدي، وتستكشف تأثيره على فردين من جيلين مختلفين. 

الحلقة الرابعة عشر 

كتابة أليس بيطار ووليد دكروب

أليس: 

الحفلة التي غنّت فيها فيروز «يا ليلي ليلي ليلي». 

وليد: 

فهمت عليك. لكن عليّ أن أصحّح لك هذه المعلومة. لقد خدعَنا زياد بهذا التسجيل للأغنية. ففيروز لم تغنّ هذه الأغنية في أيّ حفلة. وصوت تصفيق الجمهور الذي أعطانا انطباعاً عن أدائها في حفلة حية، هو صوت مسجّل ومركّب على تسجيل الاستوديو. 

أليس: 

لم يكن لديّ أي فكرة عن هذا الأمر. 

ماذا كان يقصد زياد بإيهامنا بأنّ التسجيل حيّ؟ 

وليد: 

لا أعرف إن كان يقصد شيئاً محدّداً، إلا أنّه جزء من الحالة الصوتية الموسيقية للأغنية. الدليل على ذلك، المقطع الأخير منها حيث يتلاشى صوت التصفيق تدريجياً، ويبقى صوت الساكسوفون يقسّم على اللحن بهدوء، لتنتهي الأغنية بصوت زياد يقول: «يا عين…». 

زياد كان يهتمّ بالبيئة الصوتية للأغنية. خذي على سبيل المثال «ما شاورت حالي». ماذا كان يقصد بأصوات حيوانات المزرعة في بداية الأغنية؟ 

أليس: 

أذكر أنّه أجاب عن هذا السؤال في إحدى مقابلاته، عزا ذلك إلى البيئة البدوية المحيطة باللحن ذي الطابع الشعبي الشبيه بالفولكلور. 

وليد: 

تماماً. 

زياد كان يهتمّ بهذه التفاصيل. تذكّري البيئة الصوتية لأغنية «شو عدا ما بدا»، أو «بنُص الجو»، و«المعمل».  تحدّث صديقنا محمد صالح عن ذلك في مداخلته في حلقةٍ سابقة. 

أليس: 

أمّا «البروفا»… فحدّث ولا حرج! 

عرّفنا زياد على فيروز التي تتمرّن وتخطئ وتعيد وتمزح وتضحك، فيروز الإنسانة والفنانة أثناء عملها في الاستوديو. 

وليد: 

على فكرة، حتّى «البروفا» لم تكن بروفا بمعنى الكلمة، إنما أشبه بمسار (تراك) موسيقي، مخطّط له، ومركّب على الأرجح من عدة بروفات، وممّا يسمّى «شريط التحفيظ» الذي يذكره زياد في البروفا. وهو الشريط الأوّلي الذي سجلته فيروز لأغنية «كيفك إنت» بصوتها بمرافقة البيانو، لكي تستمع إليها وتحفظها في طريقها إلى جولتها الأميركية عام 1987، حيث غنّتها لأول مرة أمام الجمهور. 

أليس: 

أها! هذا ما يعنيه إذاً «بشريط التحفيظ»! 

وليد: 

طيب أليس، الآن بعدما عرفتِ حقيقة جوّ الحفلة والتصفيق في «يا ليلي ليلي ليلي»، هل شعرتِ بأنّ زياد خدعك، أم أنّ معرفتك زادت العمل جمالاً؟

 

تصوير ليال الرحباني

أليس: 

بصراحة، شعرتُ للحظة بأنني وقعت في الفخّ. طوال هذه السنوات كنت أرى في مخيّلتي فيروز واقفةً على المسرح، والجمهور أمامها يصفّق بحماسة، وهي تقسّم بصوتها: «يا ليلي... يا عيني...». 

لكنني لم أشعر بأنّ اكتشاف الحقيقة أفسد الأغنية أو انتقص من صدقها. على العكس، زادها جمالاً وغموضاً في أذني. فالتصفيق هنا ليس كذبة أضافها زياد لكي يوهمنا بأنّه يوثّق حفلة حقيقية. هو جزء من التأليف نفسه. 

كأنّه لم يسجّل الأغنية فقط، بل اخترع لها مسرحاً وجمهوراً ولحظةً حيّة لم تحدث في الواقع، لكنها حدثت في خيال كلّ من استمع إليها. الأجمل أنّه، في النهاية، يُخلي هذا المسرح تدريجياً من الجمهور والأصوات والموسيقى، ليختم زياد بصوته: "يا عين...". 

بعدما عرفتُ الحقيقة، سأستمع إلى الأغنية بطريقتين في الوقت نفسه: أعيش الحفلة التي تخيّلتها طوال هذه السنوات، وأراقب زياد وهو يبني لي هذه الحفلة داخل الاستوديو. لذلك لا أسمّيها خدعة، بل وهماً فنياً جميلاً. 

وليد:  

هل ترين الفنّ وهماً؟ 

أليس: 

ليس وهماً بمعنى الزيف أو نقيض الحقيقة، لكنه يخلق حقيقةً من نوع آخر. 

في المسرح مثلاً، نعرف أن الممثل لا يموت فعلاً، وأن الجدار قد يكون قطعة ديكور، ومع ذلك نتأثر بما يحدث. نحن لا نُخدَع تماماً؛ بل نقبل بصورة مؤقّتة أن نصدّق العالم الذي يصنعه العمل. 

في «يا ليلي ليلي ليلي»، التصفيق مسجّل ومركّب، لكن أثره حقيقي: يجعلنا نتخيّل فضاءً وجمهوراً وأداءً حياً. الحفلة لم تحدث تاريخياً، لكنها تحدث فنياً كلما استمعنا إلى التسجيل. 

هذا ما تسمّونه أنتم كمسرحيّين «الإيهام الفني»، لا «الخداع». أليس كذلك؟ 

وليد: 

تماماً. 

أليس: 

إذاً، لا أسمّيه خداعاً، وربما لا أسمّيه وهماً أيضاً. 

إنّه إيهام فني: زياد لم يوثّق حفلةً حدثت، بل جعلني أعيش حفلةً لم تحدث. الفارق جوهري: الكذب يخفي الحقيقة لمصلحة الزيف، أما الفن فيصنع واقعاً متخيلاً ليكشف أو يولّد حقيقة شعورية. 

وليد: 

هذا بالتحديد ما كنت أنتظر سماعه منكِ. 

الآن لديّ سؤال ثانٍ حول «البروفا»: 

هل ترين أنها تقرّبنا من فيروز الإنسانة، ولو أنها مركبّة وليست وثيقة عفوية تماماً؟ 

أليس: 

بالتأكيد تقرّبنا منها، وربما لهذا السبب أحبّ «البروفا» إلى هذا الحدّ. 

نحن معتادون أن تصلنا فيروز في صورتها النهائية: صوت كامل، أداء متقن، وهيبة تكاد تجعلها بعيدةً عن البشر. أمّا هنا، فنسمعها وهي تتدرّب، وتخطئ، وتسأل، وتعيد، وتمزح وتضحك. نسمع الفنانة وهي تعمل قبل أن تصبح الأغنية أغنية. 

بعدما عرفتُ أنّ ما نسمعه ليس تسجيلاً عفوياً لبروفا واحدة، بل مساراً اختاره زياد وركّبه من مواد مختلفة، لم أشعر بأنّ فيروز الإنسانة ابتعدت عنّي. على العكس، أدركت أنّ هذه العفوية نفسها صيغت فنياً لكي تصل إلينا. 

وليد: 

صحيح. 

نحن لا نتلصّص على فيروز من ثقب باب الاستوديو، ولا يفاجئها زياد وهي تتمرّن. هي تعرف أنّ صوتها سيصل إلينا بهذه الصورة، وتشاركه في السماح لنا بأن نرى – أو بالأحرى أن نسمع – شيئاً من علاقتها بالعمل، ومن علاقتها به أيضاً. 

قد لا تكون «البروفا» وثيقةً أرشيفية، لكنها تحمل حقيقة إنسانية وشيئاً من الصدق والعفوية. هذا ما عوّدنا عليه زياد في أعماله عامةً. 

المونتاج لا يلغي ضحكتها، ولا خطأها، ولا صبرها في الإعادة. هو فقط يرتّب هذه اللحظات ليصنع منها عملاً فنياً يكشف لنا فيروز أخرى: لا الأيقونة المكتملة فوق المسرح، بل الفنانة التي تبحث وتجرب وتصنع أغنيتها أمامنا. 

أليس: 

أشعر أيضاً بأنّ «يا ليلي ليلي ليلي» و«البروفا» لا تقرّباننا من فيروز وحدها، بل تقرّباننا مما كان يدور في رأس زياد: كيف كان يتخيّل الأغنية، وكيف يسمعها أثناء البروفات، ثم يعيد ترتيبها في ذهنه، ويضيف إليها ويحذف منها، حتى تصل إلى الناس بالصورة التي يريدها. 

بالحقيقة، لا أعرف إن كان سيفعل الشيء نفسه لو كان يعمل مع فنانة أخرى. ربما كان سيفعل، لأنّ هذه طريقته في التفكير والعمل. لكنّ من حسن حظنا أنّ هذا الإيهام الفني كان مع فيروز تحديداً. وربما هذا ما جعل أعمالهما معاً تقرّب فيروز وزياد كليهما من الناس بطريقة مختلفة عن صورتها في أعمال الأخوين رحباني. 

وليد: 

والآن لنتكلّم عن المفاجأة الثالثة في الألبوم. 

أليس: 

«ضيعانو»؟ 

وليد: 

نعم. «ضيعانو» مقطوعة موسيقية مهداة إلى ذكرى الدكتور عبد الرحمن اللبّان، الذي كان طبيباً نفسانياً ووزيراً سابقاً ورئيساً سابقاً لجمعية النجدة الشعبية. وكان، في الوقت نفسه، أديباً وفناناً تشكيلياً وصديقاً للأخوين عاصي ومنصور الرحباني ولفيروز وزياد. 

رحل عام 1984، فارتأى زياد أن يهديه هذه المقطوعة، التي يحضر فيها صوت فيروز بصفته آلةً موسيقية بشرية. لم تكن هذه التجربة جديدةً بالكامل؛ سبق لزياد أن تعامل مع صوت فيروز بهذه الطريقة في «الأولى» و«الثانية» من ألبوم «معرفتي فيك»، اللتين تحدّثنا عنهما في حلقةٍ سابقة. وسوف يعود زياد إلى هذه التجربة الصوتية لفيروز لاحقاً بأشكال مختلفة، من خلال إعادة توزيع «مقدمة جسر القمر» للأخوين رحباني من أسطوانة «إلى عاصي» (1995)، كما في المقطوعة الخالدة «...وقمح» من ألبوم «مش كاين هيك تكون» (1999). 

لكن اسمحي لي هذه المرة أن أطرح عليكِ السؤال: 

ماذا يبقى من هوية فيروز عندما تتخلى عن الكلمات، ولا يبقى سوى خامة صوتها؟ وهل تستمعين إلى «ضيعانو» بوصفها أغنيةً بلا كلمات، أم بوصفها مقطوعةً موسيقية تشارك فيها آلة اسمها فيروز؟ 

أليس: 

لا أعتقد أنّ شيئاً يبقى من هوية فيروز فحسب، بل لعلّ هويتها تصبح أكثر صفاءً عندما تتخلى عن الكلمات. 

نحن نعرف صوتها من خامته ونبرته والشجن الكامن فيه، ومن طريقته في الانتقال بين النغمات، قبل أن نفهم ما تقوله. في «ضيعانو» تغيب الكلمات، لكنّ فيروز لا تغيب لحظةً واحدة. لا أستمع إليها بوصفها أغنيةً بلا كلمات، لأنّ هذا التعبير يوحي بأنّ شيئاً ما ينقصها. أسمعها مقطوعةً موسيقية مكتملة، تشارك فيها آلة لا يمكن أن تحلّ محلّها أي آلة أخرى، اسمها فيروز. 

أشعر أيضاً بأنّ «ضيعانو» كانت صورةً كاملة في رأس زياد، لكنها كانت تحتاج إلى صوت فيروز لكي تكتمل في الواقع. وبما أنّها مهداة إلى ذكرى إنسان عزيز وقريب من العائلة، يصبح حضور صوتها أشبه برثاء صامت: لا كلمات فيه، لأنّ خامة الصوت والشجن الكامن فيها أقدَر على قول ما يريد زياد قوله.  

لا يبدو دخول صوتها عفوياً أو مضافاً لتزيين المقطوعة. كلّ شيء فيها مصنوع عن سابق إصرار وتصميم، من أول نوتة إلى اللحظة التي يحضر فيها صوت فيروز، بصفته آلةً بشرية تعبّر عمّا تعجز الكلمات عن التعبير عنه. هنا يصبح النغم هو الكلام. 

وليد: 

سؤال أخير: 

برأيك، هل جعل زياد فيروز أقرب إلى الناس، منها عند الأخوين رحباني، أم أعاد بناء صورتها الفنية بطريقة أخرى؟

 


أليس: 

برأيي، عندما بدأ زياد العمل مع فيروز خارج إطار أعمال الأخوين رحباني، كانت فيروز قد بلغت القمّة في الثبات والاكتمال الفنّي. لم يكن ممكناً، ولا ضرورياً، أن يعيد أحدٌ بناء صورتها، حتى لو كان زياد نفسه. 

فيروز الرحابنة هي الأساس الذي عرفها الناس وأحبّوها من خلاله. لكن ما فعله زياد معها كان أشبه بالمعجزة. عرّفنا إلى ناحية في فيروز كانت موجودة فيها على الأرجح منذ البداية، وكان يراها هو ربما بصفته ابنها، قبل أن يراها الآخرون. فالفنان عندما يبلغ الكمال، لا يبلغه في جزئية واحدة من الفن، بل تصبح لديه إمكانات ووجوه كثيرة قد لا تظهر كلها في تجربة واحدة. 

بكل احترام لفن الأخوين رحباني ولصورة فيروز الرحبانية، لم يغيّر زياد هويتها الفنية ولم يستبدل بها هويةً أخرى. لكنه فتح نافذة على جانب كان خفياً منها، وشقّ لها طريقاً جديداً يحمل اسمه وتوقيعه، وبالمستوى الذي يليق بها وبفنّها. هنا، برأيي، يكمن التحدي العظيم الذي ينبغي الإضاءة عليه. الدليل على نجاحه أنّ الناس أحبّوا فيروز/زياد بالزخم نفسه الذي أحبّوا به فيروز/الأخوين رحباني. حتى لو أنّ بعضُهم احتاج إلى وقت لكي يدرك أهمية هذه الأعمال، لكن الفكرة وصلت في النهاية. 

وسأضيف رأياً شخصياً قد يبدو متطرفاً، لأنني منحازة دائماً عندما يتعلق الأمر بفيروز:  صحيح أنّ زياد ألبس فيروز ثوباً جديداً أكثر معاصرة، وكشف لنا ناحيةً من جمالها كانت مخفيّة، لكن فيروز أيضاً، بأدائها وثقتها به ودعمها له وخفّة روحها في «البروفا»، وبطريقة تعاملها معه بوصفه فناناً محترفاً وموسيقياً عبقرياً، أعطته حقّه كاملاً، وأسهمت في إظهار عبقريته على نحو لا أظن أن أحداً غيرها كان يستطيع فعله. 

بمعنى آخر: زياد كشف لنا فيروز أخرى، وفيروز كشفت لنا، بالصوت والثقة، زياد الذي كان يعرف تماماً ما يريد أن يصنعه. 

يتبع...



الحلقة السابقةالحلقة السابقةالحلقة السابقة