لولا فسحة الأمل... هل من حياةٍ بلا موسيقى؟

الحربُ جعلتنا نتساءل: إلى أين يهرب الإنسان إن لم يتوفّر له سماعُ الموسيقى؟ وهذا السؤال جرَّ أسئلةً كثيرة: كيف يحزن الإنسان إن لم توجد موسيقى تداويه وتطبطب على قلبه؟ كيف يفرح إن لم توجد موسيقى تهلّل لفرحه؟ كيف يتشارك اللحظات مع نفسه، والعائلة، والأصدقاء، بلا موسيقى؟ كيف يحفظ الذكريات غير المصوَّرة من دون مقاطع موسيقيّة أو غنائيّة مرتبطة بها؟ كيف تُثار وطنيّتُه بلا أغنية تُحرّكها؟ أسئلةٌ كثيرة، تختصر بسؤالٍ واحد: كيف كانت ستبدو الحياة بلا موسيقى؟ 

ربّما يصعب على العقل الإنساني، الذي رافقته الموسيقى منذ الأزل، أن يتخيّل الحياة من دونها، لكن «درافت» سألت كتّابها وأصدقاءها: كيف تتخيّلون الحياة بلا موسيقى؟ 

---------------------------------------------------------------------------------------------


فؤاد يمّين: 

فكّرتُ مليّاً: كيف يمكن لحياتي أن تكون بلا موسيقى؟ الموسيقى تلعب دوراً مهمّاً في محاور عدّة من حياتي، إذا انتُزعت منها أظنّ أنّ ذلك سيؤدّي إلى الانهيار!

كان عمري نحو أربع عشرة سنة عندما حملتُ الغيتار بين يديّ وعزفت. حينها شعرتُ أنّني مرئيّ ومسموع. قبل ذلك، كنتُ أعتمد على الكوميديا البسيطة كي أشعر بأنّ لي مكاناً في المجتمع المحيط بي، لكن عندما بدأتُ تعلّم العزف على الغيتار، وأتقنتُ عزف مقطوعاتٍ موسيقيّة وتأليف مقطوعاتٍ جديدة، أصبح لديّ صوتٌ يرغب الآخرون في سماعه. 

لعبت الموسيقى دوراً أساسيّاً في تشكيل من أنا عليه اليوم؛ لولاها، لربّما كنتُ فرداً غير مسموع، لا أحد يرغب في الإصغاء إليه. من المهمّ في حياة كلّ إنسان أن يكون لديه ما يقوله، وأن يجد من يرغب في سماعه. 

إذا لم توجد الموسيقى، فلن توجد متعة في الحياة. إنّ سماعي للموسيقى، أو تأليفي لها، أو مشاهدتي للحفلات الموسيقية، أو أيّ أمرٍ يتعلّق بها، هو أهمّ متعة في الحياة بالنسبة إليّ. إن لم توجد، ستصبح الحياة بائسة، وستُنتزع منّي لحظات ممتعة وقيّمة جدّاً. 

لولا الموسيقى، ربّما ما كنتُ لأكتب حتّى. الموسيقى متّصلة بالكتابة بالنسبة إليّ، سواء من ناحية الوحي الذي تمنحني إيّاه، أو من ناحية الإيقاع والإحساس. حين أُقدم على كتابة عملٍ مسرحيّ، من أوّل الأمور التي أفكّر بها وأبحث عنها هو الجوّ الموسيقي للمسرحيّة، حتّى لو تغيّر هذا الجوّ لاحقاً خلال عمليّة التطوير.  

حين كتبتُ مسرحيّة «بليلة فيا ضو قمر» مثلاً، كانت موسيقى الفلامنكو حاضرة طوال الوقت؛ أستمع إليها وأنا أكتب، أو قبل أن أبدأ الكتابة. بطريقةٍ ما، دخلت الموسيقى إلى العمل المسرحي، سواء في الإيقاع أو الإحساس أو في مشاهد معيّنة. حين أستمع إلى الموسيقى، يتحرّك في داخلي إحساسٌ معيّن، ومن هذا الإحساس تولد الكتابة. الموسيقى وحيٌ. أحياناً أستمع إلى جملةٍ من أغنية فتفتح أمامي مسرحيّة كاملة، أو فكرة، أو صورة معيّنة في داخلي... 

الأمر الذي أُعدّه في غاية الأهميّة، هو أنني لا أعرف كيف كان سيكون التواصل مع ابني الأكبر، وسيم، لولا الموسيقى. كنتُ أقلق حيال مسألة التواصل مع طفلي الأوّل، والأمور المشتركة التي قد تجمعنا. منذ أن بلغ وسيم سنةً ونصف السنة، بدأ يظهر اهتمامه بالموسيقى، ففتح هذا الاهتمام باباً واسعاً للتواصل معه. إنّ هذا الاتصال العميق بيني وبينه جاء عبر الموسيقى؛ هي دوماً ما تمنحنا فرصاً للحديث عنها وعن الحياة والبشر والأحاسيس. أنا ووسيم نعزف الموسيقى سويّاً ونستمع إليها سويّاً. 

حضور الموسيقى في حياة ابني كبير، وهذا الحضور يعزّز عمق ترابطي به ومتانته. 

أفكّر أيضاً: كيف كنتُ لأتحمّل المشاوير الطويلة في السيّارة لولا الموسيقى؟ أنا من الأشخاص الذين تُعدّ السيّارة بالنسبة إليهم مصدر إزعاج لولا الموسيقى. لا أتواجد في السيّارة، بمفردي أو مع العائلة أو الأصدقاء، من دون موسيقى. 

عندما أكون بمفردي، يختلف الأمر قليلاً؛ حين أكون مع العائلة أو الأصدقاء، يصبح الاستماع إلى الموسيقى فعلاً مشتركاً: نستمع إليها سويّاً ونتحدّث عنها. اكتشفتُ أنّ ابني الأكبر، وسيم، يشاركني مسألةً معيّنة في هذا السياق؛ نحن نستصعب أن تكون الموسيقى في الخلفيّة بينما نتشارك الحديث. 

عندما أكون بمفردي في السيّارة، أستمتع جدّاً بالاستماع إلى الموسيقى؛ هذه المتعة تجعلني أتحمّل زحمة السير وأصوات الزمامير والطرقات وأسلوب الآخرين في القيادة. لا أتذمّر من زحمة المرور بفضل الموسيقى، بل أستغلّ وجودي في السيّارة للبحث عن موسيقى جديدة. ليس لديّ أيّ مشكلة مع أيّ نوعٍ موسيقي؛ أستمع إلى كلّ شيء. طبعاً، هناك أيّام أفضّل فيها أنواعاً معيّنة، لكنّني عموماً أحبّ الاكتشاف والتنويع. 

كان للموسيقى دورٌ كبير في استقراري المادّي أيضاً. لا أعدّ نفسي موسيقيّاً محترفاً، لكنّ حضور الموسيقى في حياتي مهمّ، ومن خلالها أستطيع جني المال؛ سواء عبر فرقة «مين»، إذ كانت تقيم الحفلات وتبيع الألبومات على مدى خمسة عشر عاماً، محقّقةً مردوداً مادّيّاً جيّداً، أو بشكلٍ غير مباشر عبر الأعمال المسرحيّة التي أقدّمها، أو عبر عروض «ع كعبا»، حيث تكون الموسيقى عنصراً أساسيّاً. لولا الموسيقى، لربّما اضطررتُ إلى العمل في مجالات لا أحبّها للحفاظ على استقراري المادّي. 

للموسيقى أهميّة في حياتي على عدّة أصعدة، هي تساعدني على الهروب من الواقع القاسي، وأحياناً على التواصل معه بشكلٍ أعمق. حين اكتشفتُ بوب ديلان في مراهقتي، أدركتُ أنّ الموسيقى قادرة على حمل قضايا سياسيّة وإنسانيّة عميقة، وأنّها ليست مجرّد وسيلة للتسلية والمتعة. 

أذكر كلّ هذا الآن لأقول: لو حُذف عنصر الموسيقى من حياتي، لما كانت هناك حياة أصلاً. هناك جملة قالها فريدريك نيتشه: «إنّ الحياة من دون موسيقى ستكون غلطة». فعليّاً، هكذا كانت ستكون حياتي لولا الموسيقى: غلطة! 


وليد دكروب: 

في البدء كان الإيقاع، في البدء كانت الموسيقى. 

أحاول أحياناً أن أتخيّل الحياة من دون موسيقى، فأجدني أمام عالم يشبه جسداً ينبض فيه كل شيء إلا القلب. الموسيقى، بالنسبة إليّ، ليست فناً إضافياً يزيّن الحياة، بل هي أحد شروطها الخفية، مثل النبض الذي لا ننتبه إليه إلا عندما يختلّ. 

ربما تبدأ علاقتنا بالموسيقى قبل أن نرى النور. الجنين، وهو في رحم أمّه، لا يعرف الكلمات ولا الصور، لكنه يعرف الإيقاع: خفقات القلب المتتابعة، ذلك النبض المنتظم الذي يمكن اعتباره أول موسيقى في حياة الإنسان. قبل اللغة، وقبل المعرفة، وقبل الذاكرة، هناك إيقاع. كأن الطبيعة أرادت أن تعلّمنا الموسيقى قبل أي شيء آخر. ربما لهذا السبب نشعر بالألفة تجاه الإيقاع منذ طفولتنا الأولى؛ لأنه جزء من ذاكرتنا الأقدم، من تلك التجربة الأولى التي سبقت اللغة نفسها. 

لو لم تكن الموسيقى موجودة، لكان العالم أفقر بكثير مما نتصوّر. كانت الأفراح ستفقد شيئاً من بهجتها، والأحزان شيئاً من قدرتها على التعبير عن نفسها. كيف يمكن لذكرى بعيدة أن تعود فجأة إلى الوعي من دون أغنية ارتبطت بها؟ وكيف يمكن للحب أو الحنين أو الشوق أن يجد لغته الكاملة من دون لحن؟ 

وما يثير دهشتي دائماً أن أثر الموسيقى لا يقتصر على المشاعر والوجدان. فهي تترك آثاراً ملموسة في الجسد نفسه: قشعريرة تسري على الجلد، تسارع في دقات القلب، انقباض في الحلق، أو دمعة متسلّلة لا يفسّرها الكلام. كأن الموسيقى تتجاوز العقل لتخاطب الإنسان من الداخل مباشرة. 

يصعب عليّ أن أتخيّل حياة بلا موسيقى. ستكون حياة ممكنة، بالتأكيد، لكنها أقل دفئاً، وأقل إنسانية، وأشدّ صمتاً. حياة يظل فيها القلب حاضراً، لكن من دون أن يسمع أحد نبضه. 


فراس عنداري: 

كأنّها فيلمٌ صامت… 


رزان العريضي: 

فيروز، زياد، جوزف صقر، أحمد قعبور، أميمة الخليل، مارسيل خليفة. 

إن كان لسنوات طفولتي موسيقى، فستكون أغنية من أغاني هؤلاء. 

حين أعود في الذاكرة، لا يمكنني سوى أن أتذكر نفسي أحلل أغاني فيروز. 

تقول لي أمي إنني عندما كنت في الخامسة من عمري أنّي سألتها: «ماما، كيف يعني قالت فيروز، تعا ولا تجي وكذّب عليي؟». 

أذكر نفسي في السيارة مع أبي، وهو يضع شريط مارسيل خليفة ويقول: «رزوني، اسمعي منيح»، وتبدأ أغنية «الذكريات». 

لا أعرف من أنا خارج إطار الأغنية. 

من كنت لأكون لو لم أسمع أغاني مارسيل خليفة؟ لو لم أغنِّ بصوت خافت في صف الموسيقى بالمدرسة «عصفور طلّ من الشبّاك» لأميمة الخليل. 

من كنت لأكون لو لم ترافقني موسيقى أحمد قعبور منذ بداية تشكل مفهومي للوطن، وإيماني به؟ من كنت لأكون لو لم تشكّل لي الموسيقى جسراً أعبر فيه مراحل حياتي؟ 

من نحن من دون لحنٍ يُبكينا، يغضبنا، يواسينا، يفرحنا؟ 

رفيقتي هي. أسمعها باستمرار، برجفة صوت أبي وهو يغنّي: «أناديكم». 

بصوت أمي وهي تشرح لتلاميذها في الصف أغاني فيروز. 

بحبيبٍ يجمعنا لحنُ أغنيةٍ لا تنتهي. 

بصوت عصفورٍ على شجرة صنوبر في ضيعتي. 

بضحكة أصدقائي. 

بموج البحر. 

براديو عمي الذي لا يتوقف فيه عبد الحليم عن الغناء. 

بمغني راب، يذكرني بلّا أتناسى غضبي. 

لا أعرف من كنت لأكون بدون الموسيقى. كل ما أعرفه أنني ممتنة لكل صوت وإيقاع ولحن رافقني. 


رنين الوسوف: 

سألته: كيف تتخيّل الحياة بلا موسيقى؟

 أجاب ببساطة: الحياة بلا موسيقى تعني أحاسيس أقلّ، أي تخبّطات أقلّ. الموسيقى هي يلّي بتحرّكش بمشاعرنا أكثر شي. 

ثمّ انتهى الحديث، مثل أيّ حديثٍ آخر يدور بيننا، ينتهي بعد ثوانٍ معدودة. لكن كيف لي الآن أن أتخيّل الحياة بلا موسيقى بعد إجابته هذه؟ أحاسيس أقلّ؟ هل كنت لأُحبّه أقلّ لولا الموسيقى؟ لا أريد تخيّل حياةٍ أحبّه فيها أقلّ. 

في أحد الأيّام التي كنّا فيها على ما يرام (أيّام قليلة جدّاً)، سألته: ما زلت محتارة، لون عينيك أقرب إلى العسلي أم إلى الزيتي؟ 

أجاب: عيناي عسليّتان! 

-إذن يمكنني سماع أغنيات العيون العسليّة، أليس كذلك؟ 

ضحك، وهزّ برأسه موافقاً. 

أنا أبحث عن الأغاني التي تذكّرني به، بعينيه، بمكره وقسوة قلبه. أنتظر الليل كي يأتي، أشعل سيجارتي وأستمع إلى قائمة طويلة من الأغنيات (يترأسها جورج وسوف)، وأستسلم إلى دوّامة حبّي له. حياة بلا موسيقى؟ لا أريد تخيّلها. 

«ولا قدّك ميّة يا أبو العين العسليّة». 


ماهر بعجور: 

كيف يكون شكل الحياة من دون موسيقى؟ 

سيكون الشعر بلا قوافٍ. 

سيكون حديثنا كلّه رتيباً، نتحدّث بلا روح، ونتوقّف عن معرفة كيف نسأل. لن يعود في وسعنا، حين نسمع خبراً، أن نقول: «حقّاً؟! هل تمزح؟!». 

لن يعود في وسعنا أن نبكي. سنشعر بالحزن، ونحسّ بدمعة تنزل، لكن من دون صوت. 

لن يعود في وسعنا أن نضحك. سيتحرّك شيء في داخلنا ونبتسم، لكننا لن نعرف ما معنى الضحكة. 

حين تريد زيارة جارك، ستقف عند الباب وتنتظر أن يُفتح من تلقاء نفسه. لن تستطيع أن تطرقه، ولا حتى للهواء أن يطرق الباب. 

لن يستطيع الأطفال أن يلعبوا ويشاغب بعضهم بعضاً ويغنّوا: «لا لا لا لا لا» (وهذا هو اللحن الصحيح تماماً). 

ستطير العصافير وترحل، ولن يعرف أحد بذلك. 

«حتى البواب ما بقى تزَيزق». 

لعلّنا نتخلّى عن الكلام حينها، ونصبح نتفاهم بالعيون والصمت. 

لكن، في النهاية، سيولد طفل ويبكي في أول لحظة له في الحياة، وسنسمع جميعاً بكاءه، ونتعلّم منه الموسيقى من جديد.