«شو في ورا هالجبل؟» سؤالٌ طرحه الراحل أحمد قعبور، وهو يؤدّي شخصيّة الأرنب «زنبق» في مسرحيّة «زنبق والجبل». انطلاقاً من هذا السؤال، يروي المخرج المسرحي والأكاديمي كريم دكروب رحلته مع الفنان أحمد قعبور، التي تُوِّجت بأعمالهما سويّاً في مسرح الدمى اللبناني، كما يتطرّق إلى محطّاتٍ أساسيّة في حياة الفنان الراحل.
مدوّنة تأتيكم في سلسلة. في الحلقة الأولى، حدّثنا دكروب عن عمل قعبور في مسرح الأطفال في بدايات مسيرته الفنّية. أمّا في هذه الحلقة، فيُسلّط الضوء على أعماله الفنّية على المستويات الإبداعية والسياسية والإنسانية.
الحلقة الثانية
كتابة كريم دكروب
أطلق أحمد قعبور أغنيته الأسطورية «أناديكم» عام 1975 في إطار فرقة «الكورس الشعبي».
الكورس الشعبي، فرقة أسسها وقادها غازي مكداشي مع مجموعةٍ من الشباب أمثال أحمد قعبور وعبيدو باشا وحسن ضاهر وأسامة غندور، وغيرهم من أفراد عائلة مكداشي، للمساهمةِ في «النضال» السياسي والاجتماعي عن طريق الفن الغنائي في بدايات الحرب اللبنانية عام 1975، مع عمله التطوّعي في مدرسة «البرّ والإحسان» التي حوّلتها «الحركة الوطنية» إلى مركزٍ للأنشطةِ الاجتماعيةِ المدنية. في هذا الإطار، يذكر مكداشي أنه أقنع مديرَ مستشفى «المقاصد» بإقامةِ حفلةٍ للجرحى في الباحة الداخلية للمستشفى، بين غرف الجرحى، فكانت الحفلة الأولى تحدّياً كبيراً، حيث لم يكن أحد يتقبّل هكذا فكرة من قبل. يذكر مكداشي «كيف صار الجرحى يخرجون مع المصل للمشاركة في الحفلة، بعضُهم بكى من شدة التأثر». بعدها انتشرت الفرقة وغنّت في المستشفيات، والمستوصفات والخنادق والمدارس، والمسارح، وفي القرى البعيدة والجامعات. كانت أبرز الأغنيات التي أدّاها الكورس الشعبي «سجّل أنا عربي» للشاعر محمود درويش، وهناك، غنّى أحمد أناديكم للمرة الأولى.
ذكرت إيمان بكداش زوجة أحمد، أنّ أحد الصحافيين سألها عن الشرارة التي جعلتها تقع بحب أحمد، وتوقّع الصحافيّ أن تشير إيمان الى أغنية «أناديكم»، لكنها أجابت بأنّ أداء «أحمد» لدور البومة في مسرحية «بدنا الشمس»، جعلها تكتشف جانباً جديداً في شخصيته، مناقض لصورة «أحمد» الخجول والصَموت، حيث خرجت منه فجأة «هضامة غير متوقعة» حسب تعبير بكداش.
توطّدت العلاقة بين أحمد (٢٢ عام) وإيمان (١٨ عام) عند تسجيلهما الحوار الغنائي التهكمي والطريفِ بين الأرنب «زنبق» و«البومة» في مسرحية زنبق والجبل، والذي يبدأ على الشكل التالي:
زنبق (أحمد): إنتِ ليش عيونك متل الطنجرة؟
البومة (إيمان): أنا عيوني متل الطنجرة يللي دينيك متل الأنتين...
بعدها يبدأ حوارٌ غنائيّ طريف بين الشخصيّتين يتجاوز كلَّ الضوابطِ المدرسيةِ التي كانت قائمةً في ذلك الوقت في مسرح الأطفال، حيث يتجرأ المؤلفون على جعل شخصياتهم تسخر من أشكال بعضها البعض وتَكيلُ الانتقادات اللاذعة: «عيونك متل الفحمة سود، كل دَيْنة متل العامود، سنانك متل سنان الفار...». هذا المشهدُ يكسر قواعدَ تُعتبَر غالباً محرّمةً، من قِبَلِ الأهل والمدرسة، في لغة التواصل بين الأطفال، وهنا تكمن حيويته. كما نلاحظ بشكل واضح اعتماد اللهجة البيروتية في تمرّد على أسلوب «اللهجة البيضاء» الذي كان سائداً في المسرح وفي الغناء، وهذا الأمر مقصود، بل فيه موقف سياسي واجتماعي واضح. من الجميل الإشارة إلى أنّ أصدقاء أحمد وإيمان من أعضاء الفرقة بثّوا خلال زفافهما تسجيلاً للحوار الغنائيّ المذكور.
يبرز السؤال هنا، ما هو الرابط بين «أناديكم» و«زنبق»، بين «الكورس الشعبي» وفرقة «السنابل»؟
عام 1977 بدأ غازي مكداشي يشعر بأنه يعمل لغايات حزبية و«لإحياء مناسبات حزبية بدل العمل النضالي الذي كنا نحلم به». في ذروة النجاح، وفور انتهاء حفلة مهمة في الجامعة الأميركية (عزف فيها زياد الرحباني على البيانو)، جمع مكداشي «الشباب» في بيته ليقول لهم: «ما بقى فيني طيق الكبار! علينا أن نتجه للعمل الفني للأطفال!». استغرب الجميع هذه الفكرة واستنكروها كونهم لا يملكون أيَّ تصورٍ عن العمل مع الأطفال. فقال لهم: «منتعلّم». هكذا ولدت فرقة «السنابل»، كمشروع فني ذو طابع نضالي سياسي بديل عن الأغنية السياسية المباشرة.
سألت أحمد يوماً عن رأيه في هذا «النزوح» من الأغنية السياسية المباشرة إلى مسرح الأطفال، ففسّر ذلك بأسباب أربعة:
-القرف من سطوة الأحزاب، والابتعاد عن المباشرة أو بتعبير قعبور «الفصل الموضوعي بين العمل المباشر والعالم الرحب».
-اختلال الرؤية السياسية: فالمشروعُ السياسيّ (تبعاً لأحمد) كان واضحاً خلال حرب السنتين (1975–1977)، حيث نشط «الكورس الشعبي»، وبالتالي فإنّ الخطاب كان واضحاً. بعد حرب السنتين ودخول الجيش السوري بدأ المشروع يتفرع ويتشعب ويتحول إلى صراعات داخلية و«تناتش» مصالح بين الأحزاب والزواريب.
-«التخفيف من وطأة الأيديولوجيا»: خاصةً وأنّ الأيديولوجيا كانت قد بدأت تُفجِّر الفرقة من الداخل، تماماً كما بدأت تتفجر الصراعاتُ داخل المناطق التي كانت تسيطر عليها الحركة الوطنية.
-الانكفاء إلى العائلة، حيث ضاق مكداشي وأعضاء الفرقة (منهم أحمد) ذرعاً من المؤسسات الكبرى التي بدأت تنهار، والقضايا الكبرى لم يعد لها قيمة أمام القضيّة الإنسانية الأسمى، المتمثلة باستمرارية الحياة، فانكفأوا إلى العائلة، المؤسسة الأصغر، والأكثر قدرةً على التكيّف مع التحوّلات الكبرى. ومن خلال العائلة قامت التجربة الجديدة.
قدّمت فرقة السنابل عروضاً على مدى سنوات حتى بداية التسعينيات، في المستشفيات والمخيمات وأماكن النزوح والتجمعات الشعبية. أخبرني أحمد عن عرض في منطقة «سوق الغرب» بدعوة مدفوعة من أب مقتدر لإحياء عيد ميلاد ابنه. كانت المرة الأولى التي لا يهيّص فيها الأطفال المتفرجون عندما «حررنا الشمس». لم يتحرك أحد من الأطفال، مما دلّ على أهمية التوجه السياسي الاجتماعي والطبقي لمضمون المسرحية.
دخل أحمد مع غازي والآخرين في المشروع الجديد البديل، لكنه تابع في الوقت ذاته مشروعه الشخصيّ للأغنية السياسية، وواجه كباقي أعضاء الكورس الشعبي محاولات لاحتوائه ووضعه تحت جناح المؤسسات الحزبية التي كانت تتصرف بأسلوب سلطويّ وكأنها تقترب من استلام السلطة!
لم ينتسب أحمد يوماً إلى الحزب الشيوعي كما يعتقد البعض، بل كان خارج الحزب وقد دفع ثمناً لخياره هذا.
كان يناضل في مراحل شبابه الأولى من خلال منظمة العمل الشيوعي وكان اسمه الحركيّ «ارنستو»، ثم أكمل مشواره الفنيّ بعيداً عن تلك التصنيفات. كان يشكو التهميش من قبل الحزب ومؤسساته الثقافية والإعلامية خلال السبعينيات والحديث هنا يطول. إلى أن نشأت إذاعة «صوت الشعب» في الثمانينيات، فأعطته وأعطاها. وقد لا نبالغ إذا قلنا إنه أعطاها أكثر مما أعطته. حتى اضطرّ للنزوح إلى تلفزيون المستقبل في بداية التسعينيات.
كان متمايزاً وتعرض للكثير من الانتقادات والمضايقات، لكن بوصلته الأساسية كانت فلسطين.
أحمد (أو زنبق)، خرج من كل سجونه، خرج من الأحزاب إلى الفضاء الرحب، خرج ليرفع صوته عالياً، أعلى من سقوف النضال المعتمدة، خرج نحو الذات، نحو الإنسان في تفاصيل حياته اليومية، في قضاياه البسيطة التي هي أعمق من الشعارات الكبرى...
كيف كان يعيش أحمد الإنسان هذه التجربة، وكيف أخرج هذا الطفل في داخله وتفاعل مع مسرح الدمى اللبناني؟