«شو في ورا هالجبل؟» سؤالٌ طرحه الراحل أحمد قعبور، وهو يؤدّي شخصيّة الأرنب «زنبق» في مسرحيّة «زنبق والجبل». انطلاقاً من هذا السؤال، يروي المخرج المسرحي والأكاديمي كريم دكروب رحلته مع الفنان أحمد قعبور، التي تُوِّجت بأعمالهما سويّاً في مسرح الدمى اللبناني، كما يتطرّق إلى محطّاتٍ أساسيّة في حياة الفنان الراحل.
مدوّنةٌ تأتي إليكم على شكل سلسلة.
الحلقة الأولى
كتابة كريم دكروب
كثر الحديث بعد رحيل الفنان أحمد قعبور عن قيمته الكبيرة في مجال الأغنية التي تتطرق لقضايا السياسة والمجتمع والإنسان، لكن من المهم الإضاءة على جانب أساسيٍّ من مسيرته يتعلق بمسرح الأطفال، بدأ مع بداية مسيرته الفنية.
في هذا السياق، يسأل كثيرون عن هذا السرّ الذي يكمن خلف التناغم العضوي بين موسيقى أحمد قعبور وأعمال مسرح الدمى التي أخرجتُها على مدى ٣٣ عاماً. للحقيقة أنه ليس سرّاً، بل هو تاريخ، يعود إلى جملةً قالها الأرنب «زنبق» الذي مثّل دوره أحمد قعبور الشاب منذ خمسين عاماً:
«شو فيه ورا هالجبل؟»...
جملةٌ غيّرت حياتي!
الجملة من مسرحية «زنبق والجبل»، لفرقة السنابل بإشراف غازي مكداشي وتأليف جماعي شارك فيه أحمد مع حسن ضاهر وعبيدو باشا وغيرهم. تحكي المسرحية قصة أرنب يقف على باب القفص الذي يعيش فيه مع أسرته، ينظر إلى البعيد ويسأل جدّه: شو في ورا هالجبل؟ ينهره الجدّ (السجين أيضاً) قائلاً «فوت نام قبل ما يجي القمر وياكلك». لكنّ زنبق يتمسّك بالبحث عن إجابةٍ على سؤاله ويهرب من القفص ليصل بعد مغامرة خطرة ومرهقة إلى رأس الجبل ويطلّ على عالم رحبٍ لا ينتهي...
شكّلت هذه المسرحية، على بساطتها تحوّلاً مهماً، إذ من النادر جدّاً أن نرى في العالم العربيّ في تلك الفترة قصةً أو مسرحيةً للأطفال يهربُ بطلُها من أهله إلى رحاب الحرّية دون أن ينال عقابه ويتحوّل إلى عِبرَةٍ للأطفال المشاهِدين. كل ما أراده «زنبق» هو الخروج عن سلطة أهله وقومه بهدف اللعب والاكتشاف، بشكلٍ يُذكِّر بثورة المراهِق على السلطة الأبويّة لتكوين هويته وبناء تجربته الشخصية المناقضة أحياناً لتجربة الأهل.
شغلني هذا السؤال وكنت بعمر ثماني سنوات، فصمّمت على البحث خلف الجبال والاشتغال بالمسرح، عبر أنشطة مع الراحلة مها نعمة في النادي الثقافي العربي، وعبر العمل الميداني خلال الحرب الأهلية وصولاً إلى الدراسة الجامعية. تعرفت على أحمد حين كنت طفلاً، وهو يكبرني بـ 14 عام، عبّرت له عن إعجابي به وتصميمي على العمل بهذا الخطّ الفنيّ، شجّعني آنذاك كما يشجّع أي طفل طموح. كبرت، وسافرت إلى موسكو لدراسة المسرح، ثم توطّدت العلاقة خلال زياراتي إلى بيروت، إلى أن بدأ مشوار العمل الفني المشترك في مسرحية «الطنبوري» عام 1992 برفقة الفنان الصديق فائق حميصي، ثم في مسرحية «شو صار بكفرمنخار» التي لا تزال تعرض حتى الآن منذ عام 1993.
أحمد قعبور برفقة فريق مسرح الدمى اللبناني في افتتاح مسرحية «يا قمر ضوّي عالناس» - 2015
في كلّ أعمالي المسرحيّة كنت أبحث عن هذا الصوت تحديداً، صوت الأرنب زنبق، الطفل المتمرّد الذي يقدّس حريّته قبل أي شيءٍ آخر. وكانت لي تلك الهديّة الثمينة من زنبق نفسه، هديّة لازمتني ثلاثة عقود، وطبعت هويّتي الإبداعيّة. هديّة أحمد التي تمثّلت بتأليفه الموسيقي لمعظم أعمالي المسرحية، ترسّخت يوماً بعد يوم، عملاً بعد عمل، حين كان يصرّ على أداء الأدوار الغنائية في المسرحيات بصوته، وكنّا نختار بعناية تلك الأدوار، الشخصيات التي تعبّر عن تطلعاتنا التي أصبحت مشتركة. مرجان الذي يسأم من حكايات الأطفال ويبحث عن حكاية يصنعها بنفسه، عبد اللطيف أستاذ التاريخ الذي يصرّ على إصلاح العالم الذي يحمله على رأسه، الصوص الذي يبحث عن هويته ويبنيها بمغامراته الخطرة، عنتر الذي يناضل للوصول إلى القمر، سلّوم الذي يكتشف إحساس الفرح فيناضل لكسر الجدار الذي يفصله عن الحريّة، وأخيراً يوسف صاحب اليد الخضراء والروح الحرّة.... شخصيات كثيرة بأسماء متنوّعة، باطنها واحد اسمه زنبق يغامر بحثاً عن الحريّة.
في العودة إلى مسرحية «زنبق والجبل»، لا بد من الإشارةِ إلى شخصية القمر الذي صوّرَه الأرنب العجوز (جدّ زنبق)، على أنه وحشٌ مخيف يأكل الأرانبَ التي تفكّر بمخالفةِ التعليمات. هذا الآخر المجهول الذي نخاف منه لمجرد أننا لا نعرفه. هو مخيفٌ بقدر ما هو غامض وبقدر ما يعمل الحرّاسُ على بناء صورة مشوّهةٍ له (فوت نام قبل ما يجي القمر وياكلك). لكن لقاء «زنبق» بالقمر قَلَب تلك الصورة، فقد اكتشف أنه لطيف، تؤدي دوره ممثلة أنثى بصوتٍ أمومي (بينما هو مذكّر باللغة العربية)، وهو يساهم بإنارة الطريق بدلاً من افتراس الأرانب. هذا القمر رافقَنا فيما بعد في كل أعمال مسرح الدمى اللبناني، إذ لا يخلو أي عملٍ من ظهورٍ للقمر، بأشكالٍ مختلفة وبمناسبات متنوّعة، وكأنه الملاك الحارس، الشاهد على أسس تكوين هذا المشروع الفني الذي دام 33 عاماً حتى اليوم.
مع السنوات نشأ بيننا تيارٌ ابداعيّ فريد، لغةٌ ضمنيّة لا تترجم بالكلمات، إنما بالإشارات وتوارد الأفكار، أطرح عليه فكرة مسرحية فيجري نبعٌ من الأفكار، نحضّر المسرحية سوياً على مدى أشهر، يتدخّل أحمد في النص وتفاصيله وتوجهاته الدرامية والفكرية، وأتدخّل أنا بتفاصيل التسجيل والتوزيع والميكساج.
ما هو الرابط بين مساهمة أحمد في مسرح الأطفال والسياق الواسع لأعماله الفنية على المستوى الإبداعي والسياسي والإنساني؟
هذه قصة أخرى، سأتطرّق إليها في نصٍّ آخر...