شو في ورا هالجبل؟ (3)

«شو في ورا هالجبل؟» سؤالٌ طرحه الراحل أحمد قعبور، وهو يؤدّي شخصيّة الأرنب «زنبق» في مسرحيّة «زنبق والجبل». 

مدوّنةٌ تأتيكم على شكل سلسلة. في الحلقة الماضية، حدّثنا دكروب عن أعمال قعبور الفنّية على المستويات الإبداعيّة والسياسيّة والإنسانيّة، أمّا هذه الحلقة، فهي من توقيع المسرحي نعمة نعمة، الذي يروي لنا محطّاتٍ جمعته بالراحل أحمد قعبور. 

الحلقة الثالثة 

كتابة نعمه نعمه 

عندما حضرت إلى بيروت للدراسة عام 1987 سنحت لي الفرصة أن أعمل في إذاعة صوت الشعب على توثيق مكتبتها. في جوار المكتبة تقع دائرة البرامج التي كان يعمل فيها كلّ من أحمد علي الزين، ود.مشهور مصطفى ورضوان حمزة وأحمد قعبور، وهُم خريجون وأساتذة مسرح؛ كانوا بنظري أشبه بآلهة. 

لم يمضِ وقت طويل حتى بدأتُ بكتابة برنامج إذاعي استوحيته من قطة لصديقتي، وهو البرنامج الثاني الذي أكتبه للإذاعة، وكان عنوانه المبدئي «فيسي فَنْفَصفَص». ولمّا قدّمته إلى دائرة البرامج للموافقة، أُقرّ، فتلقّفه أحمد قعبور وقال لي، بأبوية: ما رأيك أن نغيّر الاسم إلى «ليسي الفَلفَسيسي»، لأن الاسم المقترح غير مناسب للإذاعة؟ وافقتُ طبعاً. ثم فاجأني أحمد بتسجيل أغنية «جنريك» لطيفة جداً بصوته مع سوزي أبي سمرا: «شو بيسي يا ليسي/ بتفلسف/ فلفَسيسي...». والحقيقة أنّه، بفضل أحمد والحوار معه حول العنوان، غيّرت هذه الجملة الغنائية مجرى البرنامج، وصقلت الحلقات الأربعين اللاحقة عبر إضافة بُعدٍ فلسفي إلى العمل. 

أنا، الآتي من طرابلس، كنت أحمل أيضاً شغفاً لرؤية أصحاب الأصوات التي سحرت طفولتي ومراهقتي: الأرنب «زنبق» وحواره الغنائي مع البومة، الذي حفظته عن ظهر قلب. حتى إننا كنّا قد أعدنا تقديم مسرحية «زنبق والجبل» عام 1986، بعزف وتمثيل حيّين، مع مجموعة من شباب وصبايا «اتحاد الشباب الديمقراطي» في طرابلس، وجلنا بها هنا وهناك. 

لم يكن أحمد يعلم هذه التفاصيل، ولا شريكته إيمان تعلم أيضاً، أنّني كنت أردد حوارهما الغنائي اللطيف لبناتي عندما كانتا طفلتين. لم أخبره بذلك... لكنني أشعر أنه كان يعلم. ربما العشرات، بل المئات مثلي، لم يستطيعوا إخباره... لكنه كان يعلم. 

تجاربي مع أحمد ليست كثيرة، منها النص المسرحي «شو حلو يا قمر» الذي كتبته وأخرجه كريم دكروب لمسرح الدمى اللبناني عام 1997. تلقّف أحمد النص، وأضاف نَفَسه إلى كلمات الأغاني قبل تلحينها. كنت أكتب بضع كلمات، وهو يقلّبها، ينظّمها، ويمنحها رونقاً ساحراً وإيقاعاً محكماً. كان أحمد وكريم يجلسان لساعات، يعيثان فساداً خلّاقاً بجُمَلي الفقيرة، لتتحوّل في العرض المسرحي إلى سحرٍ وإيقاع تتراقص عليه الدمى والأحاسيس والفرجة. 

من مسرحية «بيتك يا ستّي»

حاك كلماتنا، هذّبها، وصاغها بعفوية طفل؛ علّمنا من دون أن يكون معلّماً، وثقّفنا بتواضعه وحبّه وكرمه. تتالت الأعمال المشتركة بين أحمد وكريم دكروب وأنا، فكتبت نص «بيتك يا ستي» عام 2006. وكالعادة، كتبتُ النص ومواضيع الأغاني، وتمنّيت عليهما استخدام أغنية «طالع عبالي» من ألبوم «نحنا الناس» (1994) كأغنية ختام للمسرحية. أجابني أحمد بأنها ليست من ألحانه، فأجبته: «كلماتها، يا أحمد (كلمات أحمد)، من أجمل ما سمعت!»- استوحاها أحمد من (Gerard Lenorman, Je n’ai jamais rencontré Dieu – 1974)- كان معجباً به ومتأثراً بالأغاني الفرنسية التي كان يرددها عندما يعبر ممرات «صوت الشعب» بصوت عالٍ وأحياناً كان يغنيها عندما يكون وحيداً في المكتب، كنت أسمع صوته يعبر من مكتبه الملاصق للمكتبة. استوحيت الحلم في المسرحية من كلمات الأغنية، فهي تفتح أفق جديد لدى الأطفال وتكسر الحواجز التي تحدّها مناهج التعليم والحروب. أخرج كريم المسرحية عام 2006، بعد أن ترددت كلمات تلك الأغنية في الأثير، كما في روحي، لاثني عشر عاماً: 

طالع عبالي إنسى حالي وصير نجوم 

حلّق بالليالي وطير وحوم 

غرّد فوق بيوت الناس ورقّص العصافير 

طالع عبالي غنّي وطير... 

طالع عبالي إحكي خيالي خبريّات 

عن مطارح حلوة وعن غابات 

فيها بيوت زغيرة لكن فيها حبّ كبير 

طالع عبالي غنّي وطير... 

طالع عبالي يا سؤالي تروح بعيد 

تشوف ولاد المتلي بأيّا عيد 

بدنيي ما فيها حدود وحتى ولا نواطير 

طالع عبالي غنّي وطير... 

لم يكن أحمد ملحناً فحسب، بل كان شاعراً وكاتباً، رغم أنه لا يدّعي ذلك. كان ألبوم «نحنا الناس» عبارة عن قصائد صغيرة، يملؤها الحب والأمل بعد حروب أهلية قاتلة. حوّل أحمد قصص الناس ويومياتهم وتفاصيلهم الصغيرة إلى قصائد حب، مشبعة بانحيازه البيروتي الجامع والواضح. لعن الحرب دون أن يلعنها، قاومها بالحب، قاوم أمامنا الموت والضجيج والبشاعة وجعلنا نرى ذلك الجانب المُضيء والحي في الناس في شوارع المدينة وفي الأطفال الأمراء بملذّاتهم البسيطة نراهم بعيونه نشيداً للحياة. 

*شكر للصديق ناصر قعبور.

يتبع...