مارك شاغال-«فوق المدينة» 1917
كتابة وليد ضو
هكذا، بكل بساطة، تصل السنة إلى نهايتها، يُكمل الورق الأصفر تساقطه من الأشجار، متهيئاً ليصير تراباً. يبرد الجو أكثر فأكثر، تغيب الشمس باكراً، أنام باكراً؛ فأنا ما زلت أخشى لومك، وتذمرك المتدحرج نحو تحقيق الانضباط، لكنني الآن أنام باكراً ليس طاعةً مني أو للتخفيف من إصرارك المتفقد، إنما لأعيد صوغ وجهك، بعيداً عن جماد صورك والزجاج الذي يحنطها.
أستعيدك معنى، وشوقاً ومودة، لذلك أستعيدك ليلاً في الظلمة، أو عندما أغلق عيناي.
تقفل السنة أبوابها على رحيلك، وبالتالي لن أستمع، بعد الآن، إلى حكاية مولدي، حكاية العريشة التي يبست، حكاية المغلي الذي تعفّن، حكاية الموقد، حكاية الرحلة الطويلة التي طالت أكثر من ١٠ سنوات. كل تلك الحكايات كانت تتكرر مثل اليوم كل سنة، وفي سنواتك الأخيرة، كررتيها كثيراً.
«والعالم إيد ناعمة وإيد خشنة وجمعهم قلب»
أنت لم تسمعي هذه الجملة من أغنية «الشجرة بتخضر» للشيخ إمام لكنك كنت ترددينها بعباراتك المحببة، كنت حين تسلمين عليّ بيدك بعد إنجازي لعمل ما تقولين: «مش حرام إيديك يتعبو»، لم أكن أجيب. كنت أبتسم- كنت! اللعنة صرت أقول كنت- وكنت تردين الابتسامة بمثلها وأكثر، وبعينين ضاحكتين مطمئنتين. اليوم بعد أن تساقط كل هذا الورق، باتت يدي الخشنة لوحدها، يصفر الريح والخواء، أملأها تراباً تارة وأشمّه، أملأها عشباً تارة أخرى وأشمه، والقلب هوى، وتشقق وتصدع، الصورة نقصت، وتحولت وتغيرت وتبدلت، منذ أن بدأ البرد من يدك، يدك الناعمة نفسها، يدك المفردة والفريدة.
وأنا وإن زرعت نصباً جديداً مكان ذلك اليابس، وحفرت الأرض بيدي محاولاً عبثاً ترميم المشهد، الذي بات على الشكل التالي: السماء مهما تلبدت تبقى ناقصة من دون نظراتك، والمقاعد مهما امتلأت تبقى فارغة من دونك، وكذلك الهواء والرياح والصحون والأكواب، والكلام، كلامك، الذي حلّ مكانه الصمت المدوي منذ أن أغلق ذلك الباب الحديدي، عليك، وبت خلفه لوحدك.
«كم كنت وحدك»
في واحدة من نصوصي التي حاولت إعادة فهم موضوعة الديالكتيك الميتافيزيقي إنطلاقاً من تأملاتي لفهم معنى الوجود، كانت الانطلاقة للتفكير بموضوع ذلك المقال حديثاً لزميل سابق لي عن واقعة موت والدته في الحرب الأهلية. حين كان ينام في سيارته بعيداً عن أعين من تبقى من أهله، يسكب العرق في غطاء الزجاجة ويكرر فعلته، حتى يأتي على كامب القنينة، إلى أن «يرى» والدته أمامه وهي تصنع العرق في الكركة. قلت في نفسي وقتها، ليس عبثاً تسمية الكحول بالمشروبات الروحية، وفعلاً، عندما ماتت خالتي، كررت فعلة زميلي، لأنها هي من علمتني صناعة العرق، وقد رأيتها فعلاً أمامي، مبتسمة بعيداً عن الوحدة التي باتت فيها، التي لم تبارحها قط.
وبعد، وبالعودة إلى يدك الناعمة، ماذا أفعل حتى أراك من جديد؟
هكذا، بكل بساطة ينتهي النصّ، بعجز إضافي، لأنني أخشى أن أختمه، حتى لا تصيري ماضياً أكثر، حتّى أبقى في السنة، سنتك، قبل أن تصيري ماضياً، أخشى أن أضع نقطة أخيرة، أترك إصبعي يكتب، سيضع نقطة. ها هي. ويعود إلى يده الخشنة الباحثة عن الخواء والوحشة.