«هيك خبّرنا» بسام أبو دياب: عايش اللحظة!

«هيك خبّرنا» سلسلة مقالات تُبنى على أساس مقابلات نجريها مع فنانين من مجالات مختلفة في لبنان. نحاول عبرها الغوص في رؤيتهم الخاصّة للفنّ الذي يمارسونه، وطرق خلقه واستلهامه، والأمور التي تدفعهم إلى الاستمرار كفنّانين موجودين على كوكبٍ مهدَّدٍ بالانهيار أكثر من أيّ وقتٍ مضى

في كوكبٍ يحكمه نظامٌ رأسماليّ يتبنّى التكنولوجيا ويدعم تطوّرها المتسارع، باتت هذه الأخيرة تُقوّض حركة الأجساد البشريّة وانغماسها في أفعال الحياة اليوميّة. هكذا، أخذ الجسد الإنساني يفقد شيئاً فشيئاً ذاكرته، وتواصله العميق مع محيطه وجذوره وبيئته. تحوّل إلى مادّةٍ هلاميّة كسولة، قليلة الحركة، لا تجيد التواصل الحقيقيّ مع ما يجري حولها، ولا حتى مع روحها. 

على هذا الكوكب نفسه، يعيش راقصون وراقصات وجدوا في الرقص خلاصاً لأجسادهم؛ وسيلةً لاستعادة التواصل مع الجسد الذي يسكنونه، ومع كلّ ما يحيط بهم. أمّا بالنسبة إلى الممثل والراقص ومصمّم الرقص (الكوريغراف) اللبناني بسّام أبو دياب، فيجد بالرقص وحركة الجسد وسيلةً لعيش اللحظة إلى أقصاها. 

بسّام أبو دياب... جسدٌ مَسقيّ من التجارب 

درس أبو دياب المسرح في كليّة الفنون الجميلة والعمارة (الفرع الأوّل)، ونال شهادة الماجستير في إعداد الممثّل. بالتوازي مع دراسته الجامعيّة، مارس الدبكة، وتلقّى في شبابه تدريباتٍ مع فرقٍ عدّة قبل أن يعمل لاحقاً مع فرقة «مقامات» في عددٍ من المشاريع، ومع منير ملاعب ومالك العنداري وغيرهما... 

عبر تراكم خبراتٍ طويلة مع الجسد وحركته، استطاع أن يبني هويّته الحركيّة الخاصّة، المتمرّدة على قوالب الغرب، والمستمدّة من طقوس بلاد الشام. جال في العديد من الدول العربيّة والأوروبيّة، مقدّماً ورشات عمل وعروضاً من توقيعه، من بينها: «الكارما الفلسطينيّة»، و«تحت الجلد»، و«أبدي». 

بعد عقودٍ من التجارب والأبحاث، وبلورة هويّة فنيّة واضحة مستوحاة من تقاليد المنطقة وطقوسها، أسّس أبو دياب «بيروت فيزكل لاب»، وهو مساحة لاختبار الجسد والتجريب به، ومجتمعٌ صغير لكلّ من يرغب في الغوص في عالم الجسد والتمرّد على القوالب الأكاديميّة التي تحدّ من حريّته. 

قابلنا أبو دياب باعتباره فناناً وواحداً من روّاد الرقص المعاصر في لبنان. حدّثنا عن الجسد وذاكرته، وعما يدفع الفنّان إلى الاستمرار في ظلّ واقعٍ مثقل بالحروب والنزاعات والموت، وعن الرقص المعاصر الذي يرفض أن يكون عبداً للقواعد الجامدة.

الرقص المعاصر: تمرّد لا ينفصل عن الجذور 

انطلق الرقص المعاصر في أوائل القرن العشرين متمرّداً على قيود الرقص الكلاسيكي، وساعياً إلى خلق لغة جسديّة حرّة وطبيعيّة تعبّر عن المشاعر الإنسانيّة. غير أنّ هذا التمرّد وُلد في الولايات المتّحدة وأوروبا، قبل أن يصل لاحقاً إلى البلاد العربيّة. 

يرى أبو دياب أنّ مفتاح التفرّد في الرقص المعاصر في العالم العربي يكمن في استقاء الحركة من تقاليد المنطقة وروحانيّاتها، وعدم فصلها عنها أو إخضاعها بالكامل للأساليب الغربيّة التي ابتكرها «الرجل الأبيض». وإلّا فقد الرقص جوهره الحقيقيّ، القائم أساساً على فعل التمرّد. 

من هنا، يعتبر أنّ الطقوس الروحانيّة والتقاليد الشعبيّة والرقصات والفلكلور في بلاد الشام تشكّل مادّة غنيّة يمكن تفكيكها وإعادة بنائها، لخلق حركاتٍ صادقة تعبّر عن الأفراد والجماعات في هذه المنطقة. هذا بالضبط ما كرّس أبو دياب أبحاثه وتمريناته لأجله: إنتاج أداءات نابعة من المكان، وغير منفصلة عنه. 

لكن، كيف يمكننا اليوم أن نستقي من منطقتنا، ونحن نقضي أيّامنا ممدّدين على الأرائك، أمام الحواسيب، داخل علبٍ إسمنتيّة صُمّمت لحبس الجسد الإنساني بعيداً عن بيئته؟ 

«الجسد أصبح أقلّ ذكاءً» 

نسأل أبو دياب عن الجسد وحركته في هذا العصر الذي يضيّق على وجوده. يقول: «الجسد أصبح أقلّ ذكاءً». ويشير إلى أنّ أجسادنا باتت «أقلّ تورّطاً في الحياة اليوميّة»، فيما يكتسب الجسد تعبيره وذكاءه من انغماسه العميق في ممارسات الحياة. 

حين يفقد الجسد هذا الانخراط، يصبح أفقر وأقلّ قدرة على التعبير. ولإعادة «توريطه» في حياتنا، واستعادة ذكائه، يرى أبو دياب أن ذلك قد يحصل بالتخلّي عن شاشة الهاتف لبعض الوقت، عدم الاستسلام الكامل للآلات، المشي بدل ركوب سيّارة الأجرة لمسافات قصيرة، مراقبة حركات الأجساد، الإصغاء إلى الجسد، ومقاومة استعباده من قبل النظام الرأسمالي والاستعمار التكنولوجي. أمّا أجساد المؤدّين، فيكمن خلاصها في الاستقاء من حركة الأجساد في المنطقة العربيّة، الغنيّة بتقاليدها وطقوسها الروحانيّة. 

لكن، يبقى السؤال الأهم: هل يمتلك الجسد روحاً للتعبير في ظلّ الحروب والنزاعات التي بات صوتها أعلى من كلّ الأصوات؟ ما الذي يدفع الفنّان إلى الاستمرار والابتكار، فيما يبدو العالم بأسره على وشك الانفجار؟ 

الفنّ في زمن الانفجار 

يتحدّث أبو دياب من منظورٍ شخصيّ: «أعتقد أنّه لو ما يحصل اليوم قد حدث وأنا في العشرين من عمري، لربما ذهبت باتجاه العدميّة، واقتنعت بأنّ كلّ ما أفعله بلا معنى أو جدوى. مع التقدّم في العمر، تقلّ توقّعات الفرد، ويدرك أنّه لن يستطيع تغيير العالم. ربما يستطيع تغيير نفسه، أو بعض التفاصيل، أو محيطه الصغير». 

يضيف: «لا أرى الرقص كوسيلة للتعبير عن فكرة محدّدة، بقدر ما أراه حركةً كافية لوضعنا في الآن وهنا. الحركة بحدّ ذاتها تشكّل نوعاً من الوجود والأمان. ما يدفعني إلى الاستمرار هو الوجود في قلب اللحظة». 

أن تكون فنّاناً: فضول لا ينتهي 

أبو دياب، الذي بات اليوم يدرّس في الجامعة نفسها التي درس فيها، تحدّثنا معه أيضاً عن تجربته مع الأجيال الجديدة، وعن أسباب عدم إدراج الرقص المعاصر كاختصاص مستقلّ في كليّة الفنون الجميلة في لبنان، إلى جانب أسئلة أخرى تتعلّق بالجسد والرقص والحدود التي يمكن تجاوزها في المنطقة العربيّة. 

ما خرجنا به من حديثٍ طويل معه، أنّ بسّام أبو دياب فنّان منغمس في اللحظة، لا يسعى إلى إبهار الآخرين، ولا إلى إثبات شيءٍ لأيّ أحد. لا يحوّل الحركات العفويّة إلى قضيّة ترضي المتذوّقين المستشرقين أو النظام الرأسمالي الذي يدّعي الاهتمام بالفنّ بهدف خدمة مصالحه الربحيّة. كلّ ما يحاول فعله، ببساطة، هو أن يحرّك جسده كي يشعر بوجوده. 

في الختام، سألناه: بالنسبة إليك، ماذا يعني أن تكون فنّاناً؟ 

يجيب: «ذكّرني هذا السؤال بطفولتي. كانت هناك ألعاب السيّارات الإلكترونيّة التي تأتي مع لوح تحكّم. كنت دائماً أفكّك السيّارة، أنتزع منها المحرّك الصغير، وأحاول استخدامه لصنع أشياء أخرى، كمروحةٍ مثلاً. أظنّ أنّ هذا ما أشعر به حين أقول إنني فنّان. الفنّان شخص كثير الفضول، لديه أسئلة حول كلّ شيء، يشكّك بكلّ شيء، ولا يقتنع بكلّ الأجوبة».