لم أرَ سوى خرائط

كتابة رزان العريضي 

في غرفة الشتاء، إلى جانب مكتبتنا الخشبية التي تزيّن كل زوايا الغرفة، علّق أبي خريطة قبل أن أولد. أصبحت هذه الخريطة حجراً من حجار بيتنا. عندما كنت في السابعة من عمري كنت أقف على الكنبة، أرفع نفسي وأحاول أن أدقّق في الدول، أراها، هناك خط واحد أبيض عريض يدور حول عدة بلدان، أتهجّأ: سوريا، لبنان، فلسطين، الأردن، العراق، قبرص، الكويت، لواء إسكندرون. 

ما هو لواء إسكندرون؟ لماذا هو ضمن تركيا؟ ما هو الهلال الخصيب؟ آتي بأبي وأنهال عليه بكل هذه الأسئلة، وأفهم لِمَ علّق أبي هذه الخريطة. 

عندما يزورنا الناس، إما يجلسون على الكنبة المواجهة للخريطة وإما تحتها. يحدّقون، يستغربون، يضحكون، يتهامسون، يتحسّرون، ويكسر بعضهم الصمت: «وين بعدك يا زلمي؟ العالم تطوّر». لأبي طريقته في الرد على هذا التعليق. 

لم يكتفِ أبي بهذه الخريطة وحسب، بل يأتي بخريطة العالم، يفترشها على الأرض، ويبدأ بشرح درسنا المعتاد. كبرت وأنا أرى خرائط، خرائط في المدرسة، في كتاب التاريخ والجغرافيا، خريطتنا على الحائط، خريطة العالم على الأرض. 

قصرت المسافة بيني وبين هذه الخريطة، كلما كبرت أصبحت أراها بوضوح أكثر، لا زلت أحتاج إلى أن أقف على الكنبة، ولكنني حفظت حدودها. الصواريخ في سماء بلادنا، في منازل رفاقي، في أرض الجنوب، في كل مكان. حرب على غزة ثمّ حرب على لبنان. 

أصبح للخرائط طعم آخر الآن. لم يقل لي أبي إن هذا الخط الأبيض الواحد في الخريطة سوف يتشرذم. لم يقل لي إن حدود لبنان أصبحت خطّاً مطاطيّاً يحرّكه من أراد. لم يشرح لي قط أنه داخل البلد الواحد ممكن أن يصبح هناك عدة خرائط نقسمها وفقاً لأهوائنا، ننفي من نريد ونضم من نريد. هذا ليس ما اعتدت أن أراه، لم تعد الخريطة مرجعاً جغرافيّاً وتاريخيّاً، أصبحت فرضاً علينا أن نراه كل يوم لنرى إن كنا محددين بلونٍ أحمر قاتم. 

لون أحمر، يُهجِّر أبناء شعبي من أرضهم، منازلهم، حقولهم، عائلاتهم وذكرياتهم. 

يحمل رجل أبيض الخريطة عينها التي وضعها أبي على حائط منزلنا، خريطة عمرها آلاف السنين. يحملها عينها، ولكن مع تقسيمات وحدود واحتلال، ويطلق عليها تسمية: «شرق أوسط جديد». 

أركض إلى غرفة الشتاء، أستطيع رؤيتها دون أن أقف على الكنبة، الخريطة لوحة حمراء بالكامل، يرسمها من لا شأن لهم، بدمائنا. 

لِمَ يرمز اللون الأحمر؟ 

قد يرمز اللون الأحمر للدم، الغضب، الحُبّ، القوّة، الخطر. 

أُحبّ أن أؤمن أنه يرمز للمقاومة.