في اليوم العالمي للمسرح... وداعاً أحمد قعبور

كتابة وليد دكروب 

ما كنتُ لأسمح لهذا العدوان الوحشي على لبنان أن يُنسيني مناسبة يومنا العالمي للمسرح. هذا اليوم الذي اعتدنا الاحتفاء به كلّ عام في كلية الفنون الجميلة والعمارة، التي نغيب عنها اليوم قسراً. ارتأيت أن أكتب عن المسرح كفنٍّ نبيل، وفعلٍ جماليّ، وموقفٍ إنسانيّ في زمن الحرب، وعن أهمية هذا الفن ذي الطابع الجماعي في تكوين الوعي الثقافي والسياسي والاجتماعي في مواجهة العدوان. 

وأنا أكتب هذا النص، تلقّيت خبر رحيل الفنان الحبيب والصديق أحمد قعبور بعد صراعٍ مرير مع الخبيث. فقرّرت الاستمرار في الكتابة عن المسرح، إنّما من خلال هذه القامة الكبيرة التي رافقتنا منذ سنين الطفولة. 

لم أكن أعرف اسم أحمد قعبور عندما سمعتُ للمرة الأولى شريط «أناديكم»، بأغنياته الخالدة التي نطقت بنبض الضفة، وحبّ فلسطين، ورفض الاحتلال. ولم أكن أعرف اسمه أيضاً حين كان الأهل يصطحبوننا إلى النادي الثقافي العربي لمشاهدة مسرحيات الدمى لفرقة السنابل، مع غازي بكداشي وحسن ضاهر، حيث كان صوته الدافئ يصدح - منفرداً أو مع الكورس - بأغانٍ حفرت في وجداننا، مثل «أرنب أرنب»، و«إسمِك بومة»، و«كتار صرنا كتار» وغيرها. 

أغانٍ دخلت بيوتنا عبر تسجيلات لمسرحيات «زنبق والجبل»، و«بدنا الشمس»، و«الغراب الأسود»، و«صابر والعيد»، و«فراس والدولاب الفصيح». مسرحيات تبدو بريئةً بعناوينها ومواضيعها، لكنها مشحونة برسائل سياسية واجتماعية شكّلت وعينا المبكر، وعلّمتنا رفض الظلم ومقاومة الاحتلال، توقاً إلى الحرية وكرامة الإنسان. وكان صوت قعبور جزءاً من هذا التأثير الجمالي «غير البريء» الذي أحدثه المسرح فينا في سنّ مبكرة. 

من المسرحيات الأولى التي شاهدتُها وانطبعت في ذاكرتي «نزهة ريفية غير مرخّص بها» (1984) ليعقوب الشدراوي. أدّى فيها أحمد قعبور – المتخرّج حديثاً من قسم التمثيل في معهد الفنون الجميلة – عدة أدوار، منها دور المواطن البيروتي في مشهد طاولة الزهر، مع البيروتي الآخر عبيدو باشا، وهما يدخّنان الأرجيلة ويتحدّثان بلهجتهما البيروتية، وسط الحصار الإسرائيلي لعاصمتنا (1982). مشهد طريف يُظهر حالة التحدّي للحصار والاحتلال، وهو التحدّي نفسه والإصرار على حبّ الحياة الذي نشهده اليوم في زمن العدوان. 

كم ردّدنا أغاني ألبوم «حُبّ» في رحلات العائلة إلى الجنوب بعد التحرير الأول عام 1985! هذا الشريط، بغلافه الأزرق البنفسجي من تصميم الفنان والأكاديمي أكرم قانصو، زميل أحمد في معهد الفنون، رافق طفولتنا بأغانيه الخالدة: «يا رايح صوب بلادي»، «بيروت يا بيروت»، «نشيد المقاومة»، «يا ستي ليكي ليكي»، «شو بعاد»، وغيرها.

غلاف ألبوم «حُبّ»-1985

عام 1988، عندما شاهدتُ مسرحية «حبّات الرمّان» (إخراج فائق حميصي، سينوغرافيا غازي قهوجي)، كنتُ قد دخلتُ سنّ المراهقة، وهي مرحلة يبتعد فيها المراهق عمداً عن كل ما هو طفولي. لكنني لمستُ في هذا العمل خطاباً يحترم عقلي ويعنيني؛ خطاباً مسرحيّاً جمالياً ينضح بحبّ بيروت وبالنضال للحفاظ على الهوية الشعبية للمدينة. تلك الهوية التي ضاعت ملامحها في الحرب الأهلية، وفُقدت تماماً لاحقاً، في زمن السلم وإعادة الإعمار. 

حفظنا أغنيته «والله وطلّعناهن برّا» من مسرحية «بنسيون الست نعيمة» (1992) لأسامة العارف، إخراج جلال خوري وسينوغرافيا غازي قهوجي، والتي دارت أحداثها في أيام الاجتياح الإسرائيلي واحتلال بيروت، وانتهت بخروج قواته المذلّ من العاصمة. 

في مطلع التسعينيات، صار قعبور ركناً أساسياً في مشروع مسرح الدمى اللبناني مع المخرج الشاب كريم دكروب، حيث ترافقا على مدى العقود الثلاثة الأخيرة في رسم هوية هذا المسرح؛ هوية ما زالت قائمة، وستبقى راسخة في وجدان الطفل اللبناني، وفي ذاكرة أجيال من جمهور المسرح في لبنان. 

أحمد قعبور برفقة فريق مسرح الدمى اللبناني في افتتاح مسرحية «يا قمر ضوّي عالناس» - 2015

في المسرح والسينما والتلفزيون والموسيقى، ارتبط اسم أحمد قعبور بالأرض والحق، ببيروت والجنوب، بالمقاومة وفلسطين، بالناس البسطاء والأطفال، وبدار الأيتام الإسلامية. في كلّ ما قدّمه، تعامل مع جمهوره بمسؤولية ووعي كبيرين، وباحترام عميق للهوية والذائقة الفنية. 

اليوم، في ظلّ العدوان الغاشم، وألم الخسارة، وفي اليوم العالمي للمسرح، لا يبدو هذا الفنّ مجرّد مساحة للعرض أو الترفيه، بل فعلاً حيّاً في صلب الحياة، يواجه القسوة بالمعنى، والعنف بالجمال، والاحتلال بالموقف. المسرح، كما عرفناه وعشناه، لم يكن يوماً بريئاً، بل كان دائماً مساحة لتشكيل الوعي، وصقل الحسّ الجمالي، وبناء موقف سياسي وأخلاقي من العالم. 

وفي هذا اليوم تحديداً، ومع رحيل أحمد قعبور، نستعيد هذا المعنى أكثر من أي وقت مضى: أن ما يتركه الفنّ الحقيقي لا يقتصر على أعمالٍ نحفظها، بل يصوغ وعينا، ويهذّب ذائقتنا، ويشحذ حسّنا الجمالي، ويدفعنا إلى اتخاذ موقفٍ أخلاقيّ وسياسيّ لا لبس فيه. 

في زمن العدوان، تزداد الحاجة إلى المسرح، لا كترفٍ ثقافي، بل كضرورة إنسانية؛ كمساحة نتعلّم فيها أن نرى، وأن نفهم، وأن نرفض، وأن نحلم أيضاً.