جدارية «الحرب» (1977) - عبد الحميد بعلبكي
يُستفز البعض من قبل فنّانون قرّروا إكمال مشاريعهم في ظلّ الحرب وأزمة النزوح. هناك من يفتتح معرضاً فنيّاً، وآخرون يقيمون حفلات أو يطلقون أغاني جديدة، ومنهم من يستمرّ في الترويج للأعمال التلفزيونية التي شارك فيها. قد يكون هذا الاستفزاز مبرّراً إلى حدّ ما، إذ يشعر المتابع بأنّ هذا الفنان أو ذاك، منفصل عن واقع الحرب، وغير مبالٍ بأرضه التي تُغتصب وشعبه الذي يُقتل. لكن الحقيقة، في معظم الأحيان، تختلف تماماً عمّا نتصوّره.
مهنة الفنان هي صناعة الفن، وهي مهنة كسائر المهن. على الفنان أن يستمرّ كي لا يخسر لقمة عيشه. ماذا يفعل المعلّم حين تخيّم الحرب على بلاده؟ ينتقل إلى التعليم عبر الإنترنت. وسائق سيارة الأجرة؟ يبحث عن ركّاب في مناطق آمنة نسبيّاً. والتاجر الذي اضطرّ إلى ترك متجره؟ قد يبحث عن متجر جديد في منطقة آمنة، أو يحمل بضاعته ويجوب بها على زبائنه الدائمين. فهل يُطلب من الفنان أن يتوقّف عن العمل، وأن يقضي فترة الحرب عاطلاً؟
الفنان التشكيلي سيستمرّ في إنتاج أعمال فنية ويحاول عرضها للبيع. والمخرج والممثل سيذهبان إلى مواقع التصوير، لأنّ لديهما التزامات وقد تقاضيا مستحقاتهما. والموسيقي أو المغنّي سيقيمان حفلات ليتمكّنا من جني بعض الأرباح. والكاتب سيواصل الكتابة والسعي إلى نشر أعماله مقابل بدل مادي. وهكذا…
هل يحقّ لباقي المهن أن تستمرّ، بينما يُطلب من الفنّان أن يوقف عمله ريثما تهدأ الحرب؟
إلى جانب ذلك، فإنّ العدوّ قد أجبرنا على ترك منازلنا وأرضنا، وسلب منّا تفاصيل يوميّاتنا، وقيّد تنقّلنا بالخوف والقلق، إلى جانب أشياء كثيرة أخرى. فلماذا على الفنان أن يسمح للعدو بسلب عمله أيضاً؟ قد لا يكون الفن، في كثير من الأحيان، فناً ملتزماً أو هادفاً، لكن مهما كان نوعه فإنّ ممارسته تبقى فعل مقاومة، يصرخ في وجه العدو: لا يمكنك الاستيلاء على كلّ شيء.
ثمّ أنّ الفنانين الشباب في لبنان، ومنذ توالي الأزمات بدءاً من عام 2019، يقاتلون باللحم الحي من أجل أن يحظوا بفرص عمل في بلد لا يجيد سوى إغلاق أبواب الفرص في وجوه طالبيها. إذا تزامنت الفرصة التي سنحت لهم مع طبول الحرب، هل عليهم التخلّي عنها وانتظار فرصة قد تأتي في أيّام سلم نادرة؟
ربما لا يكون هذا هو الوقت الأنسب لطرح كلّ هذه الأسئلة، وربما يصعب علينا أن نكون رؤوفين في أحكامنا على الآخرين فيما تحيط بنا القسوة من كلّ الجهات. لكن من حقّ الفنان أن يسعى إلى لقمة عيشه في زمن الحرب، كما يفعل سائر المهنيين. ويبقى الفنان الإنساني الصادق هو من ينتج أعمالاً غير منفصلة عن مجتمعه؛ ذلك هو الفنان الذي سيذكره التاريخ حين يروي لنا حكايات الحروب.